728 x 90

سُلّم الثقافة العصرية

سُلّم الثقافة العصرية

هنادي قرقاب

” الثقافة هي ما يبقى بعد أن تنسى كل ما تعلمته في المدرسة ” – البرت اينشتاين.

اليوم.. بعد أن صارت الثقافةُ علمًا فضلاً عن أنَّ العِلمَ ثقافة؛ صارت الثقافةُ كلمةً واسعة المضمون رغم ضيق المعنى، وهِي شاسعة لا يحدُّها مكانٌ ولا زمانٌ، ولا تتفرّدُ بها أقوامٌ دون أخرى ولا مواضيعٌ دون غيرها لما لها من أطوارٍ فِي تتبُّعها دهاليزٌ تقودكَ ولا تُعيدك.

لذلك أكتفي بالتعريفِ الذي رسى عليهِ عقلي لما فيهِ من توغُّلٍ في المعنى والمضمون، وهي : أن تتفكَّر وتتعقّل. فترنو للإدراكِ، وتغمرَ عقلكَ لا بالمعلومات فقط وإنّما باستدراكِ أجزاءِ الكونِ البديع. فتتخذ دربًا تُنير بهِ فكركَ وتغذِّي بهِ لُبَّك وتكون توّاقًا لهوفًا لمعرفةِ كلِّ شيء، ولو أنَّ حتميّة إدراكِ ( كل ) شيء معدمة، إلا أنَّ التوق لفهم وتعلُّم ومعرفة شتَّى المكنوناتِ من حولك في حدِّ ذاته سبيلٌ للثقافة.

وكما أسلفتُ القول بأنّها واسعة المعنى والأطوار فلا أعني هُنا بطبيعة الحالِ عموميّتها إنّما الاختصاص فيها. فاللغات ثقافة، والمجتمعات والبيئات ثقافة، والآدابُ ثقافة، والعلومُ ثقافة.

وفي المعنى العامِّ الشعبيِّ يُعرَّفُ المثقّف بالشخص الّذي يستطيعُ خوض غمارِ أيِّ حديثٍ عن أيِّ شيء، مستندًا على الحجج ومستدلاً بالأدلّة، وهذا ما أجزته بعدَ سؤالي عن ماهيّة المثقف لعددٍ من الأشخاصِ من مختلفِ الأجناس الفكريّة.

قديمًا، كان فهمُ المعلومات والاطلاع على المعارفِ يتطلَّبُ مجهودًا كبيرًا جدًّا لبلوغها، ناهيكَ عن الترحالِ والترحُّل بحثًا عن مصادرها، فكانت صعبةَ النُّشودِ محصورةَ الوجود. لذا كان لأولي الألبابِ والعارفينَ والعلماءِ قدرهم الكبير، أما اليوم في عصرِنا التِّقنيّ صارت المعلومةُ محضُ ” قَوقلة ” على الإنترنت. مع ذلك فإنِّي استنكرُ سطحيّة الفكرِ وخواء العقل، لذا أرى أنَّه من الضروريِّ أن نستفيد من هذه التقنيات في الاحاطةِ بالممكنِ الذي يسقي لهفةَ الإدراكِ لدينا قبل ذبولها.

قبل سنواتٍ كُنت ( دودة كُتب ) كما يقال عن الشغوفين بالقراءة، لذا توجَّهتُ بالنُّصح لزملائي في المدرسة الإعداديّة والثانويّة بقراءةِ الكتب لما فيها من تغذية فكريةٍ وتسليةٍ وعجبٍ عجاب، إلا أنَّ جيلي من مُعاصري السُّرعة ربَّما يتململونَ من الصفحات المتكدِّسة المتراصَّةِ السطور، ويتكاسلون عنها، وقد وصفها بعضهم بالصعبة بينما وصفها البعضُ بهدر الوقت!  فكان لا بدَّ من التدرُّجِ فيها حتّى الشغف بها، لذا اقترحتُ في ثلاثةِ مراحل أسلوبًا تدرُّجيًا ممتعًا يقودكَ لا محالة إلى حبِّ الاطلاع وتوقِ المعرفة.

– المرحلة الأولى : التسلية  :-

* مُلخصات الكتب على اليوتيوب: من المعروف أنَّ اليوتيوب موسوعة مرئية مسموعة شاملة، لذا ستجدُ فيها العديد من المقالات والملخصات والأبحاث في طريقةٍ ماتعة العرض، ممّا يسهِّلُ عليكَ اكتساب المعلومات والاطلاع على الثقافات بيُسرٍ ومتعة، ولكن حذاري من عدم التأكد من صحَّةِ المصادرِ وإلا سيتسمَّمُ زادُك المعرفيّ.

* البودكاست: وهو حين لا تجد وقتًا أو رغبةً لمشاهدة فيديوهات طويلة، فتستطع ببساطة استبدالها بمقاطعٍ مسموعة لمواضيع شتَّى وحوارات قيّمة بينما تنشغلُ بأي شيءٍ آخر كالقيادة والطبخ والتمشِّي……

* المسلسلات والأفلام الوثائقية: في المسلسلات الوثائقية عن المواضيع التِّي تثير اهتمامك متعة كبيرة جدًا، وحالما ستبدأ بمشاهدتها ستدمنها ربَّما أكثر من الأنواع الأخرى، وذلك لأنَّ في المعرفةِ نشوةٌ جميلة دائمةٌ مستدامة عوضًا عن المشاعر المؤقتة المصاحبة لتصنيفات الآكشن والدراما والكوميديا وغيرها.

مع ذلك، وجب التنويه أنَّ في هذه الوسائل الثلاث خطرٌ يستوجب الحَذر؛ لما فيها من معلوماتٍ مغلوطة ومشوَّهة، والغرضُ الأساسيُّ منها إيقاظُ شعلة الشغفِ بالمعرفة والثقافةِ لا غير، ولا يصحُّ جعلها مصدرًا أساسيًا للتزوُّد، إلا إذا كُنت متأكدًا من مصادرها وصحّتها.

المَرحلة الثانية : الاهتمام :-

* الأبحاث والمقالات على الانترنت : جرِّب أن تبحث في المصادر الموثوقة عمَّا تبحثهُ على محركات البحث، مثلاً : لماذا لون السحابِ أبيض، بدلاً من قراءةِ مقالٍ موجز يحتمل الخطأ على ويكيبيديا جرِّب قراءة بحثٍ علميّ لباحثٍ ما، ستجدُ فيه متعةً كبيرة. أو قراءة مقالةٍ عن المجتمع الليبيّ مثلاً لكاتبٍ ما.. ستجد من جزالةِ اللفظِ والمعنى وصحَّةِ المعلومةِ وانسيابيّتها ما يجعلك تدمن حتمًا عليها.

* الصُّحف والجرائد: وهي المرحلة التِّي تلي البحث عن موضوعٍ يثير اهتمامك إلى قراءةِ أيِّ موضوعٍ أمامك، وفيه مغامرةٌ شيّقة وماتعة من استكشافِ جوانبٍ جديدة لم تكن تهتمُّ لها وربّما تصير من أوّل اهتماماتك!. كما وأنّ الصحف والجرائد متنوعة المضامين ،ومتعددة العناوين؛ ممّا لا يقودك للضجر.

* الروايات والقصص الصوتية: وهي من أكثر الأساليب التِّي تشوِّقكَ لقراءةِ الروايةِ أو القصّة، خاصةً إذا كان الملقي ماهرًا في تنكُّرهِ بنبراتِ الشخصيات حسب الموقفِ والمعنى.

وفي هذه المرحلة تدريبٌ عمليّ على القراءة وتشويقٌ نفسيّ لها، وبمجرّد سلكك لهذه المرحلة لن تحتمل قطعًا عدمَ الانتقال للتي تليها.

المرحلة الثالثة : الشغف :-

* الـPDF : إذا كنت مبتدئًا في القراءة أنصحك بالبدء بالكتب الالكترونيّة، وذلك لسهولة تصفّحها واعتيادكَ على أسلوبها، فلن يختلفَ الأمر معها على تصفُّحِ الـtimeline على مواقع التواصل الاجتماعيّ مثل فيسبوك، لذا ستقرأ كمًّا أكبر في وقتٍ أقل.

* مجموعات القُرَّاء ومشاريع إعداد القراء : مجموعات القراء العامة صارت مهمّة في وقتنا الحاضر لأيِّ قارئٍ مبتدئ، لأنَّها تحثُّ على القراءة  لما فيها من ترشيحات وتقييمات وتقارير وأعداد متزايدة يوميًا من القرّاء الجُدد وتباين المستويات، إلا أنَّ المجموعات الخاصة في الدردشات التي تحوي عددًا صغيرًا من أصدقاءك ومعارفك المهتمين بالقراءة فيها متعة أكبر من شأنها تشجيعك على الاستمرار. كما وأنَّ مشاريع إعداد القُرَّاء ستساعدكَ كثيرًا لمنهجيّتها السليمة في إعداد القارئ وشحذ ذائقته.

* نوادي القراءة : رغم قلّتها في مجتمعنا الليبيّ إلا أنّها تسهم في استدامةِ شغفكَ للقراءة، لما فيها من جوانبٍ مرئية وسمعية وحسيّة واجتماعية، كما وأنها تساعدك على تكوين رأيك الخاص ومناقشتهِ منميّة عدَّة جوانب في شخصيّتك.

والآن.. لا أسمِّي شعور التَّلذُّذ بالقراءة بالمرحلة الرابعة، فهُنا.. صارت القراءةُ كما يقال ( منكَ وفيك)، حيث ستبدأُ رحلتكَ في عَالمِ الكُتب، والذي حالما تلجهُ ستنتمي لهُ وتتأصَّلُ فيه، وبمجرد بلوغك لهذه المرحلة ستجدُ نفسكَ شخصًا آخر، لأنَّ الكتاب يهذِّبُ النفس وينمِّي العقل ويفجِّرُ براكينًا مُتَّقدة للمزيد والمزيد في عالمِه الفريد.

أخيرًا : كونك قارئًا لا يعني بالضرورة أنَّك مثقّف، ولكن كونك مثقّفًا يجزمُ أنّك قارئ.

لذا، لتتّخذ القراءة بنوعيها العصريّ والأصليّ مسلكًا للثقافة، واطَّلع على الوجود، فالعالمُ حولكَ شاسعٌ واسع، والعمرُ قصيرٌ متسارع، لذا أُحرص ألّا تغادره فارغًا، وأن تستكشفه وتتحسَّس عظمة خالقهِ وإبداعه، وأن تُدرك قدر المستطاعِ منه.

إقرأ أيضًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

74 التعليقات

أحداث ومناشط قادمة

الأحدث

الأعلى مشاهدة

من معرض الصور