بقلم: عبد الله نصر.
بسم الله الرحمن الرحيم
رأيتُ – ورمضانُ على الأبواب – أن أكتُبَ طائفةً من النصائح للقراء، تتعلَّقُ بالصحة العامة، وبالأدوية، والتغذية، متعرضاً في ذلك على ما يستجد للناس في هذا الشهر الفضيل بسبب الصيام والإفطار والنوم، وغيرها مما يتغيَّرُ نظامه في رمضان، أهلَّه الله علينا باليُمنِ والإيمان، والسلامة والإسلام.
يحتارُ كثيرٌ من الناس – لاسيما من ذوي الأمراض المزمنة – عند اقتراب دخول رمضان، في الكيفية الصحيحة التي يتناولون بها أدويتَهم، بما يحقق أهدافَها ويجنبهم المضارَّ؛ فإن الحال في أيام الفطر أن تكون الأدويةُ متوزِّعةً على ساعات النهار والليل، أما مع الصيام، فالوقتُ المتاحُ لهذه الأدوية أضيقُ، وبعضُ أنواع الأدوية يستلزِمُ أن يؤخَذَ على معدة فارغة؛ فكيف العمل؟
لنستبعدْ أولاً أهل الأعذار الذين ألْجأَهم المرضُ إلى منعهم من الصيام، وذلك بعد اطلاع الطبيب المعالج على المريضِ وتقريره بأنه لا يصلُح له الصوم، أو بتجربة المريضِ الصومَ وتيقُّنِه أنَّه خطَرٌ حقيقيٌّ عليه؛ وهذا يفصل فيه ويُقرِّرُه علماء الشريعة. ثمَّ لنُقسِّم الناسَ فئاتٍ بحسب طبيعة الأدوية التي يحتاجون أخذها، وتأثيرَ الصيام والأكل عليها.
فأوَّلُ من يخطُرُ بالبال، هم مرضى السكّري، فطبيعة المرض وأداءُ الأدوية لصيقٌ بتناول الأكل والصيامِ عنه. وأدويتهم متنوعة: فمنها الإنسولين وهو الهرمون المسؤول عن خفض مستوى سكر (الجلوكوز) في الدم، وهو على أنواع: السريع والتوسط والبطيء. والخطرُ المترتِّبُ على أخذه بدون اعتبارٍ= هبوط السكر وما ينشأُ عنه من أضرارٍ قد تودي بحياة المريض -لا سمح الله-، والنوع السريعُ أكثرُ احتمالاً في هذا الخطر. أما الأنواع الأخرى فهي إما مشابهة لعمل الإنسولين، وإما منظمةٌ لمستوى السكر في الدم كـMetformin.
والتوجيه العام لهم بأن تُخفضَ جرعة الإنسولين بنسبة بي 15%-30%، ويُفضَّلُ أن يُقتصَرَ على طويل المفعول، لتأثيره المعتدل على مستويات السكر في الدم، ولحاجة الجسم إلى أن يكون مستوى السكر معتدلاً على طول وقت الصيام. أما أدوية تنظيم السكر، فمنها أقراصٌ ممتدّة المفعول، يرمز لها عادةً بـXR؛ فهذه قد يُغني القرصُ الواحدُ منها غَناءَ قُرصين من غيره. ولْيعلم كلُّ قارئٍ أن هذه إرشاداتٌ عامةٌ لا تغنيه عن استشارة طبيبه المعالج، وأن يُحدِّدَ له هو بالضبط، ما يأخذُ من دواءٍ، ومتى يأخذه. وعلى كل مرضى السكري قياسُ مستوى السكر عندهم يومياً في رمضان؛ لا سيَّما في النهار، فإنَّ تَبعاتِ الهبوط لا تُحمَدُ عقباها.
أما مرضى ضغط الدم، فالحالُ عندهم مختلف، فبعضُهم تتحسَّنُ حالته مع الصيام، ويندُرُ عنده ارتفاعُ ضغط الدم، ولكن هذا لا يدعو – بالطبع – إلى أن يستغنوا عن أدويتهم في رمضان! ثمَّ إن أغلبهم يتناولُ نوعاً واحداً أو نوعين من الأقراص، فالأفضلُ في حقهم أن يجعلوها في الإفطار؛ حتى لا يعرضوا أبدانهم لهبوط الضغط وهم صائمون، وذلك إذا أُخِذت مع السحور. والأهم في حقهم أن يحددوا موعداً ثابتاً لكل دواء؛ لأنَّ هذه الأدوية مصممةٌ على العمل ما يسمى بالساعة البيولوجية للجسم، والتي تُحكَمُ بالـ24 ساعة. ومثل هؤلاء في الحكم: مرضى القلب، والذين يتناولون أدوية تزيد سيولة الدم كالأسبرين، وأصحاب الأمراض المزمنة التي لا تتعلقُ بالأكل والصوم.
أما أصحاب قصور الغدة الدرقية، الذين يتناولون دواء ليفوثايروكسين Levothyroxine؛ فمعلومٌ أنَّ هذا الدواءَ -كي يفعلَ فعله – يؤخذُ قبل الأكل، أي: والمعدةُ خاوية، وهذا صعبٌ تحقُّقُه في رمضان، فعليهم أن يتخيروا وقتاً في منتصف الليل أو قبل السحور، يصومون في 4 ساعات على الأقل، ليأخذوا بعدها الدواءَ مباشرةً، ويضمنوا الاستفادةَ منه، ثم إنهم يُنصَحونَ دائماً بإجراء تحليل الدم المختصِّ بالكشف عن مستوى الهرمون الطبيعيِّ في الدم، حتى يضبط لهم الطبيب جرعتهم المناسبة.
كما أن كثراً من الأصحَّاء قد يعتريهم أمرٌ يُلجئهم إلى أخذ دواء في رمضان، كالمسكنات، والمضادات الحيوية، وأدوية الأنف والأذن والعيون، وغير ذلك. فننصحُهم دائماً بالتوجه إلى الدواءِ غير المُفَطِّرِ كالمراهم الخارجية واللصقات وما يُحقَنُ في العضَلِ، حتى يأخذوا الدواءَ متى شاءوا؛ غيرَ أنَّ الأدوية المتوفرة في هذه الأشكال لا تفي بالغرض دائماً، فيُلْجأُ إلى الأقراص، والكبسولات، وبخاخات الأنف، وما يدخلُ إلى الجوف. فأما المسكنات فإنها تؤخَذُ مرةً أو مرتين بحسب نسبة عمر ووزن المريض إلى جرعة الدواء، وحسب نوع الدواء، وطبيعة الألم، وننصح المريضَ دوماً بأخذ جرعة عند السحور؛ حتى يغطِّيَ أطولَ فترةٍ وهو صائمٌ لا يستطيعُ أن يأخُذَ الدواء. وأما المضادات الحيوية؛ فنتَّجِهُ عادةً إلى المضاد الذي يؤخذُ مرةً (كل 24 ساعة) في اليوم، أو مرتين (كل 12 ساعة) على أعلى تقدير، ونأخذُ هذا الأخيرَ مرةً عند الإفطار ومرةً عند السحور، وإن لم يكن بينهما 12 ساعة! أما إن افترضنا إن أُصيبَ أحدٌ بالتهاب لا يعالجه منه إلا مضادٌّ حيويٌّ يجبُ أن يؤخذَ كل 8 ساعات -وهو أمر نادرٌ أو قليل الحدوث-، فإنه يستفتي فقيهاً في الفطر، يفتيه على حسب مرضه وتقرير الطبيب.
وأما قطرات الأنف والبخاخات؛ فإن الطبيب غالباً يُقدّرُ الصيامَ ويصف للمريض ما يستعمله مرتين فقط في اليوم؛ فتكون مرةً إذا أفطر ومرةً إذا تسَحَّر، وإن كانت ثلاثةً فبين ذلك، أي: عند منتصف الليل.
أما المكملاتُ الغذائية؛ فأغلبُها تؤخذُ مرةً واحدةً في اليوم؛ فليتخَيَّرْ صاحبها وقتها المناسبَ الذي يكون امتصاصُها فيه عالياً -كما ذكرتُ في المقال السابق-، وحتى إن وُصفت له أكثر من مرة في اليوم، فإنه سيجدُ تركيزاً عالياً يُغطي احتياجه اليوميَّ كاملاً في جرعة واحدةً.
هذا وليعلم القارئُ الكريمُ أنَّ هذه نصائحُ صيدلانية عامَّة، ترسم خطوطاً استرشادية، وأنَّ لِكلِّ مريض حاله ووضعُه الذي قد لا يُشابهُ غيرَه.
ألتقيكم في مقال لاحقٍ إن شاءَ الله، دمتم بصحة وعافية، وتقبَّلَ الله طاعاتكم.


















اترك تعليقاً
يجب أن تكون مسجل الدخول لنشر التعليق.