بقلم: د. نور الدين بالحاج.
داء السكري: معركة صامتة لا تُربَح بالدواء وحده
السكري… وما أدراك ما السكري؟
مرضٌ تسلّل إلى بيوتنا بصمت، حتى كاد لا يخلو بيت من مصاب أو أكثر.
ليس مرضًا عابرًا، ولا حالة مؤقتة، بل واقع صحي يفرض على صاحبه أن يختار:
إمّا أن يتعايش بوعي… أو يدفع ثمن الإهمال غاليًا.
داء السكري من أكثر الأمراض المزمنة انتشارًا في عصرنا، لا لأنه قاتل بذاته، بل لأنه مخادع. يبدأ هادئًا، بلا ضجيج ولا ألم يُذكر، ثم ما يلبث أن يضرب الجسد عضوًا بعد عضو إذا أُهمل أو أسيء التعامل معه. فالسكري ليس رقمًا في جهاز قياس، بل منظومة متكاملة تتأثر بنمط الحياة، والغذاء، والانضباط العلاجي، ومستوى الوعي.
الخطر الحقيقي … حين يتراكم الإهمال
تكمن خطورة السكري في طبيعته التراكمية؛ فالمضاعفات لا تظهر فجأة، بل تُبنى ببطء عبر سنوات من التهاون. الارتفاع المستمر في مستوى السكر يُحدث تلفًا تدريجيًا في الأوعية الدموية والأعصاب، فتظهر أمراض القلب والشرايين، ويتهدد المريض بالفشل الكلوي، وضعف البصر الذي قد يصل إلى العمى، فضلًا عن تلف الأعصاب الطرفية الذي يبدأ بتنميل بسيط وينتهي بفقدان الإحساس، خاصة في القدمين.
ومن أخطر هذه المضاعفات ما يُعرف بـ القدم السكري؛ إذ قد يتحول جرح صغير لا يشعر به المريض إلى قرحة مزمنة، ثم إلى كارثة تنتهي – لا قدّر الله – بالبتر. وتشير التقارير الطبية إلى أن أغلب حالات البتر غير الناتجة عن الحوادث سببها السكري ومضاعفاته.
التعايش الواعي… مفتاح النجاة
ورغم كل ذلك، فإن السكري ليس حكمًا بالإعاقة ولا نهاية للحياة.
فالتعايش الواعي قادر – بإذن الله – على تحويله من مرض مُعطِّل إلى حالة يمكن السيطرة عليها. الالتزام بالعلاج، والمتابعة الطبية المنتظمة، وضبط النظام الغذائي، وممارسة النشاط البدني، كلها عوامل أثبتت قدرتها على تقليل المضاعفات بشكل كبير. بل إن مريض السكري المنضبط قد يعيش حياة أطول وأكثر صحة من شخص سليم يهمل صحته.
الوعي السلوكي… نصف العلاج
لا يقلّ الجانب النفسي والسلوكي أهمية عن الدواء. الاستهانة بالمرض، أو الاعتماد على وصفات عشوائية، أو التوقف عن العلاج عند تحسن التحليل، كلها صور من الإهمال المقنّع. كما أن اللجوء إلى الأعشاب دون استشارة طبية يُعدّ من أخطر الأسباب التي تؤدي إلى تدهور الحالة دون أن يشعر المريض.
أهم التحاليل الدورية لمريض السكري
المتابعة الدورية ليست رفاهية، بل صمّام أمان.
ومن أهم التحاليل:
السكر التراكمي (HbA1c)
السكر صائم وقياس السكر بعد الأكل
دهون الدم
وظائف الكلى
الزلال في البول
فحص العين الدوري
هذه الفحوصات تمكّن الطبيب من التدخل المبكر قبل وقوع الضرر.
الأكل الصحي… حجر الأساس
الغذاء هو الدواء الأول لمريض السكري.
والأكل الصحي لا يعني الحرمان، بل حسن الاختيار: الإكثار من الخضروات، التقليل من السكريات والنشويات البسيطة، وتجنب الدهون الضارة. وفي ظل اعتماد كثير من بيوتنا في ليبيا على الأرز والمكرونة، يصبح الوعي الغذائي ضرورة لا خيارًا.
الرياضة… دواء لا يُشترى
المشي اليومي لمدة نصف ساعة يُعدّ علاجًا فعّالًا: يخفض السكر، ويحسن عمل الإنسولين، ويقوّي القلب. الحركة ليست ترفًا، بل ضرورة لحياة آمنة.
الدواء والمتابعة الطبية
اختيار الدواء المناسب يتم عبر الطبيب المختص فقط. المتابعة الدورية تضمن تعديل الجرعات أو تغيير العلاج حسب الحاجة. فالنجاح هنا شراكة بين المريض وطبيبه، لا اجتهاد فردي.
لا تُهمِل دواءك
نسيان الجرعات أو إيقاف الدواء خطأ شائع وعواقبه وخيمة. فالدواء يحافظ على توازن الجسم، وأي تهاون فيه يفتح الباب لمضاعفات يصعب علاجها.
مراكز صحية في طرابلس
تتوفر في طرابلس عدة مرافق تقدّم خدمات جيدة لمرضى السكري، منها:
مستشفى السكر ابن النفيس – صلاح الدين
مجمع البدري
مجمع الدهماني
مجمع وريمة
إضافة إلى أغلب المجمعات الصحية التي تضم أطباء مختصين وتحاليل دورية.
الخاتمة
داء السكري ليس عدوًا لا يُقهر، لكنه لا يرحم المُهمِل.
هو رسالة تنبيه بأن الصحة أمانة، وأن القرارات الصغيرة اليوم تصنع مصير الغد.
اضبط سكرك اليوم… تحمِ حياتك غدًا.
فالتعايش الواعي حياة، أمّا الإهمال فندم لا يُجدي.

















اترك تعليقاً
يجب أن تكون مسجل الدخول لنشر التعليق.