قُتل أصحاب الأخدود .. بقلم عبدالله الجعيدي
إن الصراع بين الحق والباطل قديم، بل هو من السنن الثابتة في هذه الحياة؛ لأن الحق والباطل نقيضان لا يجتمعان ،فهو صراع بقاء ووجود ،ولذلك لا يرضى الباطل بوجود الحق، ولو كان في صورة المحايد؛ الذي لا يستطيع التأثير في الظاهر على قوة الباطل وسلطانه، ولأن الباطل لا يملك حقيقةً يُدافع عنها أو قضيةً عادلةً يَرفعها في وجه كل من يُعارضه، فهو يلجأ إلى أساليب خسيسةٍ في محاربة الحق، ويتّبع طرقا ملتوية في تشويه أهل الحقِّ ويتتّرسُ بقوته المادية التي لا يَملك غيرَها لنشر باطلهِ، فالباطل يَكبرُ ويَنتفشُ ويَزدادُ حجمُه ويَتّسعُ سلطانُه ويكونُ حالُه كحال البالون الذي تَنفخُ فيه فيرَى النَّاظرُ إليه أنَّ حجمه يزدادُ ويَتضخمُ ثُمَّ فجأةً بِوخزة إبرةٍ يَتطايرُ في الهواء ولا يَبقى له أثرٌ. كذلك الباطلُ فهو يستخدمُ جميعَ الوسائل ليُمدّد في بقائهِ ليحمي نفسَه وما دامَ الهدفُ هُو بَقاؤُه، فهو لا يَتورعُ في استخدامِ أيَّ أُسلوبٍ في مُحاربة خُصومِه وَلا يَدري الشّقِيُّ أنَّ بُذور فَنائِه في نفسِه، وأنّ عّدُوَّه بين جانِبيه وَيأتي على النّاس زمانٌ يَنظُرون إلى الباطلِ وكأنَّه قدرُ اللهِ الذي لا يُمكن الخلاصَ منه فيُصبِحُ جُزءًا من حَياتِهم لما يَرون من رُسُوخ مُلكه وقُوةِ جَبرُوتِه وطُغيانِه، وهذا من الابتلاء الذي يَبتلي به اللهُ عبادَه؛ ففي وجود الباطل ابتلاءٌ لأهل الحقِّ وأشدُّ من ذلك طُولُ زَمان وُجُوده مَع تَمكنّه، فهنا تطولُ الطريقُ ويَملُّ مَن يَّملُّ، ويسقطُ مَن يسقطُ، فتزدادُ الفتنةِ، ويَقِلُّ النَّاصرُ ويَكثُر الُمخذِّلون والُمحبَطون، فيأتي أمرُ اللهِ عزوجلّ كالصّاعقةِ، فيَجتثُ الباطلَ مِن جُذوره، ويُصبح ـ في ليلةٍ أو ضُحاها ـ في مَزبلةِ التاريخ حكاياتٌ تُروى وقَصصٌ للعبرة،} حتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسلُ وظَنُّوا أَنَّهم قَد كُذِّبُوا جاءَهم نَصرُنا { ]يوسف: [110 .
وإذا نظرنا إلى القَصص القرآني سنجدُ كثيراً من الأمثلةِ، والنماذجِ التي خلّدها القرآنُ تَرسمُ لنا الطريقَ، وتحدّدُ لنا الأهدافَ، وأسبابَ هذا الصراع، وتصحح لنا المفاهيم، ومِن ذلك ما ذَكرهُ الله عزوجلّ في سُورة البروج {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10)} البروج [10-4].
هؤلاء فئةٌ من المؤمنين الموحِدين قبل الإسلام ليس لهم ذنبٌ أو جَريرةٌ إلّا أنَّهم اختارُوا طريقَ الإيمان وخَالفُوا ما كان عليه سُلطانُ زمانِهم ،فأراد هذا الطاغيةُ أن يَحمِلهم على مَذهبه ومِلَّته بقُوة الحديدِ والنار، فحفر لهم في الأرضِ أُخدوداً، وأَوقدَ لهم ناراً عظيمةً، ثمَّ عَرض كُلَّ واحدٍ من هؤلاءِ المؤمنين المستَضعفين على النّار، وخيّره بين بَقائِه على دِينِه، فيُقذفُ في النار أو رجوعه عنه وتكون فيه نجاته منها، وفي ذلك من الابتلاء الذي يضعف أمامه أشدّ الناس صلابة وأقواهم عزيمةً لكن عندما تتغلغل حقائق الإيمان في القلوب وترسخ فيها رسوخ الجبال لا تصبر على الحياة ولا تطيقها بدون الإيمان، ذهب هؤلاء جميعا الطغاة منهم والمستَضعفون وأُسدل الستار على قصتهم ،فكم من أمثال هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين ثبتوا على إيمانهم وصدقوا ما عاهدوا الله عليه مروا في هذه الحياة؟ ولم يُذكروا في صفحات التاريخ وطمس الطغاة أسماءهم .. فهل فازوا في معركتهم أم خسروا وفاز الباطل؟
وهنا يأتي التوجيه القرآني ليصحح لنا الموازين ونأخذ من هذه القصة الدروس والعبر فالله عز وجل قد وصف هذه الفئة بالإيمان وهذه تزكية لهم وأنهم على حق .. تزكية من الذي له مُلك السموات والأرض فما مقدار هذه الدنيا؟! .. وما أحقرها..! أمام ضخامة هذه الشهادة وقيمتها وهم يستحقون هذه الشهادة لأنهم في حقيقة الأمر قد انتصروا على جلّاديهم بثباتهم على إيمانهم وعقيدتهم يقول سيد قطب رحمه الله: ” كذلك تنتهي رواية الحادث وقد ملأت القلب بالروعة. روعة الإيمان المستعلي على الفتنة، والعقيدة المنتصرة على الحياة، والانطلاق المتجرد من أوهاق الجسم وجاذبية الأرض. فقد كان مكنة المؤمنين أن ينجوا بحياتهم في مقابل الهزيمة لإيمانهم. ولكن كم كانوا يخسرون هم أنفسهم في الدنيا قبل الآخرة؟ وكم كانت البشرية كلها تخسر؟ كم كانوا يخسرون وهم يقتلون هذا المعنى الكبير: معنى زهادة الحياة بلا عقيدة، وبشاعتها بلا حرية، وانحطاطها حين يسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد! إنه معنى كريم جداً ومعنى كبير جداً هذا الذي ربحوه وهم بعد في الأرض. ربحوه وهم يجدون مس النار فتحترق أجسادهم، وينتصر هذا المعنى الكريم الذي تزكيه النار؟ وبعد ذلك لهم عند ربهم حساب، ولأعدائهم الطاغين حساب . . يعقب به السياق .”
وهذه المعاني لا بد أن نستحضرها في كل مشهد صراع بين الحق والباطل، ونحن في هذه الأيام نعيش ذكرى أليمة “مجزرة بوسليم 1996-6-29؛ ذكرى تتفطّر لها القلوب الحيّة.. ذكرى الغدر والطغيان على إخوةٍ لنا في الإيمان ليس لهم ذنبٌ إلا كما قال الله عزوجل {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} فيُقتلون بدم بارد، وهم في سَجنهم عُزّل لا يملكون ما يَدفعون به عن أنفسهم.
لا شك أن القضية التي أقضّت مضجع الطاغوت وجعلته يختار طريق الحسم الأمني بكل قوة هو صلابة هؤلاء الأخوة، وثباتهم على إيمانهم فهم لا يَرضون أن يُساومهم أحدٌ على عقيدتهم التي يعلم الطاغوت أنها ستكون نهايته لو بقي هذا الصنف من الناس.
وأيضاً من الحقائق التي ينبغي أن نقف معها هي أن القرآن يشير بصيغة الجمع للذين فتنوا المؤمنين عن دينهم، فهو ليس شخصا واحداً فنحن عندما نتهم “القذافي” بهذه الجريمة لا يمكن أن ننسى أن الذي أودع هؤلاء الإخوة في السجون ليس القذافي وحده بل كل من ساهم في ذلك بدءاً من الذي كان يكتب التقارير في المساجد ومروراً بالمحققين الذين كانوا يتنافسون على توريط هؤلاء الشباب ولو بالباطل بانتزاع الاعترافات منهم بطرق خسيسة، ثم القُضاة الذين جاؤوا بهم بعد ذلك بسنوات لكي يُسدلوا بهم الستار على هذه المسرحية السخيفة مما عُرف بمحكمة الشعب وبعدها المحكمة التخصصية وكلها تحكم بقانون الطاغية ” تجريم الحزبية” سيء الصيت والسمعة كصاحبه، وانتهاءً اليوم بمن يعرقل سير المحاكمات ويُماطل في إحقاق العدالة، وكل هؤلاء مشاركون في الجريمة ولهم نصيب منها، ثم أختم بذكر حقيقة قرآنية أخرى تفتح بوابة الأمل لكل من شارك الطغاة في جرائمهم، وهي قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا }؟؟ فباب التوبة مفتوح حتّى لهؤلاء الذين قاموا بهذه الجريمة، وهي فرصة لمن كان منهم على قيد الحياة أن يعود إلى ربّه، ويندم على ما اقترفت يداه، ويتبع ذلك بأن يُصلح ما أفسد قدر الإمكان بنُصرة الحقّ والوقوف معه قلباً وقالباً لعلّ الله أن يتقبله في التائبين وتبقى حقوق الناس التي لا يُمكن أن تسقط إلا بتنازلهم عنها أو بالقصاص، ومن هنا تأتي أهمية المصالحة التي ينادي بها أغلب الليبيين من حيث المبدأ ويختلفون في وسائلها فأسأل الله عز وجل أن يرحم شهداءنا في ” بوسليم ” وجميع شهدائنا في هذه الثورة المباركة.