بقلم: محمد عمران.
مقدمة .. نحو ميثاق أخلاقي للسوق المعاصر.
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وتصاعد الأزمات المالية التي كشفت عن ثغرات عميقة في النظم الرأسمالية والاشتراكية على حد سواء، تبرز الحاجة الملحة للعودة إلى الأصول الأخلاقية والضوابط الشرعية التي تضمن استقرار الأسواق وتحقيق العدالة الاجتماعية.
يأتي كتاب “من أحكام السوق” للشيخ المفتي الدكتور: عمر مولود عبد الحميد، حفظه الله، الصادر عن مركز الشيخ علي الغرياني للكتاب، ليتوج مسيرة علمية حافلة لمؤلفه؛ إذ يُعد الدكتور عمر مولود قامة فقهية سامقة، وأحد أبرز علماء ليبيا، فضلاً عن كونه رئيساً لرابطة علماء ليبيا. هذه المكانة العلمية الرفيعة تمنح الكتاب ثقلاً استثنائياً، وتجعل منه مرجعاً موثوقاً يجمع بين عمق التأصيل الفقهي ودقة التحليل الواقعي؛ فهو ليس مجرد سرد فقهي تقليدي، بل خارطة طريق فكرية وعملية تسعى لإعادة صياغة العلاقة بين الأخلاق والاقتصاد.
يقدم المؤلف في هذا العمل رؤية استشرافية تستلهم من التراث الفقهي حلولاً لتحديات العصر، مؤكداً أن السوق في الإسلام ليس ساحة للصراع المادي المجرد، بل هو منظومة حيوية محكومة بقيم الأمانة، والشفافية، والمسؤولية الاجتماعية.
هذا الكتاب يمثل دعوة جادة لإعادة الاعتبار للمقاصد الشرعية في المعاملات المالية، بما يضمن حماية الفرد من الاستغلال وصيانة المجتمع من التفكك الاقتصادي.
فلسفة المال في الإسلام .. أمانة واستخلاف.
ينطلق الكتاب من تأكيد المفهوم الإسلامي للمال؛ حيث لا يُنظر إليه على أنه ملكية مطلقة للفرد، بل هو أمانة واستخلاف من الله في الأرض.
هذا المفهوم يضع إطاراً أخلاقياً وضوابط شرعية لكيفية اكتساب المال وإنفاقه.
يشير المؤلف إلى أن المال وسيلة لتحقيق مقاصد الشريعة، وليس غاية في حد ذاته، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم بوصف المال والبنين بأنهما “زينة الحياة الدنيا”.
يؤكد الدكتور عمر مولود على أن الإسلام يوازن بين غريزة التملك الفردية وبين المصلحة العامة للمجتمع؛ حيث تقرر الشريعة أن ملكية المال هي ملكية خاصة بحق السعي والابتغاء من فضل الله، بينما منفعته هي منفعة عامة بحق الاستخلاف على مال الله في الأرض.
هذا التوازن يضمن عدم تحول المال إلى دولة بين الأغنياء فقط، ويوجب على مالكه المحافظة عليه وتنميته من طرق مشروعة، والإنفاق منه في وجوه الخير والزكاة.
أحكام السوق وضوابط التبادل التجاري.
يخصص الكتاب حيزاً واسعاً لبيان أحكام السوق، مؤكداً على أهميته كمركز للنشاط الحيوي الذي لا تستقيم الحياة بدونه. ويشدد المؤلف على أن الضوابط الشرعية للبيع والشراء تقوم على أسس راسخة، أبرزها:
العدل في الكيل والميزان:
وجوب الوفاء بالكيل والميزان بالقسط، والتحذير الشديد من التطفيف الذي ورد فيه الوعيد في القرآن الكريم.
نفي الغرر والجهالة:
ضرورة وضوح المعاملة والابتعاد عن كل ما يؤدي إلى النزاع أو أكل أموال الناس بالباطل، وهو ما يشمل النهي عن بيوع الغرر.
الرضا والاختيار:
يجب أن يتم التبادل التجاري عن تراضٍ بين الطرفين، دون إكراه أو تدليس، لقوله تعالى: “إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم”.
كما يتطرق الكتاب إلى الصفات الواجب توفرها في التاجر المسلم، التي تتجاوز مجرد الالتزام بالحدود الدنيا للحلال والحرام، لتشمل الصدق والأمانة والبعد عن الشح والبخل، والمشاركة في ميادين الخير.
المحرمات والممارسات الفاسدة في السوق.
يُفرد المؤلف فصولاً هامة للممارسات التي نهت عنها الشريعة؛ لما لها من آثار مدمرة على الاقتصاد والمجتمع، من أبرزها:
- الربا:
يوضح الكتاب تحريم الربا بجميع صوره، ويشير إلى أن الشريعة اعتبرت المرابين محاربين لله ورسوله؛ لما يسببه الربا من ظلم واستغلال.
2.الاحتكار:
يُبين المؤلف أن الاحتكار المضر بالناس محرم شرعاً؛ لأنه يؤدي إلى حبس السلع الضرورية عن السوق بقصد رفع أسعارها، وهو ما يتنافى مع مبدأ العدالة وتوفير الحاجات الأساسية للناس.
- الغش والتدليس:
يؤكد المؤلف على تحريم الغش في البيع والشراء، سواء كان في السلعة أو في ثمنها أو في وصفها، مستدلاً بالحديث النبوي الشريف: “من غشنا فليس منا”.
المعاملات المالية المعاصرة .. رؤية فقهية.
في إطار مواكبة التطورات الاقتصادية، يقدم الكتاب معالجة فقهية لبعض المعاملات المالية المعاصرة التي كانت محل خلاف بين العلماء المعاصرين، ومنها:
- التأمين:
يميز المؤلف بين أنواع التأمين، حيث يميل إلى جواز التأمين التعاوني (التكافلي) القائم على التبرع والتعاون بين المشتركين، بينما يرى أن التأمين التجاري (القائم على المعاوضة والربح) يكتنفه الغرر والربا والقمار، وهو ما يجعله محل خلاف فقهي كبير.
- الإيجار المنتهي بالتمليك:
يستعرض الكتاب صور هذه المعاملة، ويشير إلى أن الحكم الشرعي يتوقف على صيغة العقد، فإذا كان العقدان (الإيجار والبيع) منفصلين ومستقلين، فهو أقرب إلى الجواز، أما إذا دُمجا في عقد واحد بحيث يكون الإيجار إلزاماً بالبيع، فيكون محل نظر.
- أحكام تغير قيمة النقود:
يتناول الكتاب مسألة التضخم والانكماش وتأثيرهما على الديون والالتزامات المالية، ويقدم حلولاً فقهية للتعامل مع التغيرات التي تطرأ على النقود غير الذهبية والفضية، مثل الكساد العام أو المحلي للعملة.
الخاتمة .. رؤية مستقبلية لسوق أكثر عدلاً.
إن القراءة المتأنية في كتاب “من أحكام السوق” تفضي بنا إلى قناعة راسخة بأن الأزمة الاقتصادية المعاصرة هي في جوهرها أزمة قيمية قبل أن تكون أزمة موارد أو سياسات.
لقد نجح الدكتور عمر مولود حفظه الله في تقديم مرافعة فقهية رصينة تثبت أن النظام الاقتصادي الإسلامي يمتلك من المرونة والأدوات ما يجعله قادراً على استيعاب مستجدات العصر دون التفريط في الثوابت الأخلاقية.
إن الالتزام بأحكام السوق التي فصلها الكتاب ليس مجرد امتثال ديني، بل هو ضرورة اقتصادية ملحة لإنقاذ الأسواق من براثن الاحتكار والتدليس والتقلبات غير المنضبطة.
في الختام، يظل هذا العمل منارة للباحثين وصناع القرار الاقتصادي، داعياً إياهم إلى تبني نموذج “السوق الأخلاقي” الذي يوازن بين الربح المشروع والكرامة الإنسانية، مؤكداً أن استقامة المعاملات المالية وفق مقصود ما قرره الشارع الحكيم هي المدخل الحقيقي لاستقامة أحوال الأمة ونهضتها الشاملة. وبالله التوفيق.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..


















اترك تعليقاً
يجب أن تكون مسجل الدخول لنشر التعليق.