728 x 90

القلق .. تأملات في سورة المعارج

القلق .. تأملات في سورة المعارج

بقلم: عبد العظيم الجهاني.

 

إذا نظرنا إلى أول فعل للإنسان حين يولدُ نجده يستهل صارخًا في هذه الدنيا ربما جزعًا وخوفا مما هو مقدم عليه، فإذا أعطي حَلَمَةَ أمه هدأ وسكن، وحال المولود هو الحال الذي خُلق عليه ابن آدم.

قد يعاني الإنسان من القلق الذي قد يصحبه حينها توترات جسدية وأعراض سلوكية يصعب التحكم فيها. إن الشعور بالقلق يسبب ضيقا في الصدر مما ينعكس ذلك عادة على حياة الشخص ونشاطه اليومي؛ وإن لم يعالج فسيكون لهذا القلق تأثيرات سلبية على حياة الإنسان  الاجتماعية، والدراسية، والعملية.

لا ريب أن الله أعلم بمن خلق، وهو أعلم بداء الإنسان ودوائه. نجد في سورة المعارج آيات متتالية يحدثنا فيها القرآن عن أسباب القلق لدى الإنسان، وسُبل الشفاء من هذه الحالة التي قد تتدرج لدى بعض الناس فتكون مرضا يحتاج إلى علاج حقيقي.

إن هذه الآيات تصف الطبيعة الذي خُلق عليه الإنسان من الهلع والخوف الذي قد يدفعه إلى البخل بالعطاء، أو اليأس من الشفاء وكلاهما من أعراض القلق. وقد ذكر الله تعالى بعد ذلك الصفات التي إذا تحلى بها المؤمن نجا من الهلع والقلق.  

وبالمناسبة فإن هناك إحصائيات تشير إلى أن 4.4% من سكان العالم يعانون حاليا من القلق، وفي عام 2021 اعترف 360 مليون إنسان بالمعاناة اليومية من هذا المرض، مما يجعله الأكثرَ انتشارا بين الأمراض النفسية، وعلى الرغم من توفر علاجات فعالة للقلق المزمن، إلا أن المشكلة تزداد يومًا بعد يوم مع تفاقم أعباء الحياة الحديثة وتعقيداتها.

 

يقول الله تبارك وتعالى: (إن الإنسان خلق هلوها)

 لفظ (هلوعًا) يشعر بالفزع ويدفع القارئ لمعرفة معناه ومناسبة وروده في الآية الكريمة، فما معنى (هلوعاً)؟

 في الآيتين التاليتين يعطي القرآن تفصيلا وتوضيحا، وهذا من تفسير القرآن بالقرآن، حين يقول الله عز وجل: (إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا)؛ فالإنسان بطبعه جحود جزوع لا يصبر على البلاء والضوائق، وهو منوع بخيل بالنعمة، إذا أصابه مكروه فقد توازنه وتأسى وتسخط، وإذا أصابه خير أمسك ومنع حقوق غيره كما قال تعالى: (وأحضرت الأنفس الشح).

 

ثم استثنى القرآن من تلك الحال السيئة أحوال أصحاب الصفات الإيمانية الذين سلموا من الجزع والمنع؛ وذلك لأن هذه الصفات الحسنة تقود المؤمنَ إلى الركون إلى الطاعات والتسليم لما جرت به المقادير، وتهذب القلبَ حتى يشفق المؤمن على العباد، وقد يؤثرهم على نفسه طلبا لرضى المعبود وطمعا في جنته وخوفا من عذابه، والتحلي بهذه الصفات القرآنية تعلم المؤمن ألا يُعَجل في طلب الأجر والثواب؛ لأن ذلك مؤجل إلى يوم الدين حين تجزى كل نفس ما كسبت.

وسنركز في هذا المقال على صفات ثلاثة منها، التي تحمل في طياتها علاجات ربانية لداء القلق؛ وهي: المحافظة على الصلاة، وإيتاء الزكاة، والبعد عن الفواحش.

 

بدأ تعالى بالصلاة فقال: (إلا المصلين) فهؤلاء ناجون من الشعور بالجزع والطمع، فمقيموا الصلاة لا يصيبهم ما يعتري الناس من الهلع والجزع؛ بل تبقى نفوسهم متوازنة، هادئة، مُسَلَّمَة، ونعت الله المصلين بقوله: (الذين هم على صلاتهم دائمون). 

 

قال جمهور المفسرين إن معنى (الذين هم على صلاتهم دائمون) أي أنهم يؤدون الصلوات الخمس في أوقاتها بشروطها. وأخذ الإمام ابن عجيبة (ت 1224ه.) من هذه الآية إشارةً إلى أن الصلاة هنا صلاة القلوب، أي الذين طهروا قلوبهم من دنس الشهوات والأهواء وملؤوها بالتوحيد واليقين، فهؤلاء لا يصيبهم الهلع والطمع. وقال رحمه الله: إن من لا يُطهر قلبَه، ويحليه باليقين فلن ينفك طبعه عن هذا الحال المذموم ولو بلغ ما بلغ.  وإن مما يجلي صدى القلوب هو كثرة ذكر الله تعالى فبه تأنس القلوب وتطمئن كما قال تعالى: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب).

 

والصلاة نعمة وهدية من الله تعالى، تعلق العبد بمولاه وتصله إلى مقام العبودية، وهي حصن المسلم عن الفحشاء والمنكر، وهي ملجؤه عند حصول الضرر؛ فقد كان نبينا ﷺ “إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة” وقال ﷺ “جعلت قرة عيني في الصلاة”. فمن حافظ عليها انفك عنه الجزع والمنع.

 

إن هناك فرقا واضحا، وأثرا جليا بين من يؤدي صلاة الفجر في وقتها مثلا، فينشرح صدره ويصبح نشيطا، طيب النفس، مطمئن القلب؛ وبين من حُرم من هذه النعمة فاستيقظ كسولا بعد أن فات وقت الصلاة، فيكون منقبض النفس، ضيق الصدر، ينخلع ويهلع إذا أصابه مكروه لأنه فقد الثقة والرضا والطمأنينة التي هي من نواتج الصلاة، وبخاصة صلاة الفجر التي هي باكورة اليوم ومفتاح النجاح والفلاح.

 

إن المؤمن المصلي تجده مُسَلِّمَ أمرَه إلى مولاه، فلا قلق يعذبه لإيمانه بأن الله تعالى خير الحافظين وخير الرازقين. قال ﷺ: (من كانت الدُّنيا همَّه، فرَّق اللهُ عليه أمرَه، وجعل فقرَه بين عينَيْه، ولم يأْتِه من الدُّنيا إلَّا ما كُتِب له، ومن كانت الآخرةُ نيَّتَه، جمع اللهُ له أمرَه، وجعل غناه في قلبِه، وأتته الدُّنيا وهي راغمةٌ).

ثم ذكر الله تعالى الخصلة الثانية المنجية من الهلع: (والذين في أموالهم حق معلوم). إن الزكاة حق الفقراء في أموال الأغنياء، وهي من أركان الإسلام الخمس، ومعنى قوله تعالى (معلوم) أي إن قيمة زكاة المال لها قدر محدد، وهي في الأموال 2.5% من مال بلغ النصاب إذا حال عليه الحول، وهناك أنواع أخرى من الزكاة غير المال، كزكاة الأنعام، والحرث، وعروض التجارة، والمعادن والركاز، وهناك زكاة الفطر. ومن فوائد الزكاة أن المزكي يؤثر غيره من المسلمين، فتخلص نفسه من صفة منع النعمة والطمع، وكذلك تخلصه من الخوف من الفقر، والشح بالمال.

 

وقد تشمل الآية التصدق التطوعي غير الواجب؛ فقد يجعل المسلم من الصدقة والتبرع عادة دائمة، ويكون ذلك من دلائل الإيمان كما قال النبي ﷺ: (الصدقة برهان). وحال من يقتصر على بذل الزكاة المفروضة دون الصدقات كحال من يقتصر على أداء الصلوات المفروضة، ويهمل النوافل؛ لأن النوافل تجبر نقص الفرائض يوم القيامة، فما كان في الزكاة المفروضة من نقص تجبره الصدقات التطوعية.

 

ثم قال تعالى: (والذين يصدقون بيوم الدين)؛ فالمؤمن الذي يصدق بيوم الحساب لا يقلق ولا يهلع من الدنيا وظلمها لأنه مدرك أنه هناك يوم البعث والحساب حيث لا جور ولا ظلم، اليوم الذي يجازي فيه الله الظالم على ظلمه، والمحسن على إحسانه؛ ولا شك أن في ذلك مما يريح النفس، ويشرح الصدر أن كل ذي حقٍّ سيأخذ حقه لا محالة وعند الله تُضمن الحقوق، فيحاسب فيه الله تبارك وتعالى العباد وتعرض أعمالهم عليه سبحانه، فيقول الله تعالى للعبد: ألم أكرمك؟ ألم أسودك؟ ألم أزوجك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل وأتركك ترأس وتربع؟ فيقول العبد: بلى يا ربي. يقول تعالى: فظننت أنك ملاقي؟ فيجيب العبد: لا يا رب، فيقول تعالى: فاليوم أنساك كما نسيتني.

 

ثم نتلو قوله تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون) أي تعف أنفسهم عن الحرام، وينعمون بما هو حلال في إطار الزواج، لأن ما وراء ذلك يؤدي إلى الفساد، والحدود التي وضعها الله تعالى رحمة بنا وليست تضييقا كما يظن البعض.

والتعدي على هذه الحدود له عواقب جسدية وعقلية وأخلاقية، ومن المآسي أن تفتقد أمة من الناس معاني العفة التي هي فضيلة في الرجال والنساء.

 

ولا شك أن الخروج عن دائرة الحلال في الزواج إلى الحرام قد جر الإنسان إلى نتائج مرهقة؛ ومن شك في ذلك فعليه أن ينظر إلى الاحصائيات المنشورة حول الأمراض الجنسية المنتشرة في المجتمعات الليبرالية، فسيجد العجب العُجاب؛ فعلى سبيل الذكر لا الحصر، بريطانيا سجلت 400 ألف حالة لمرض جنسي جديد في عام 2024، زيادة 5% من حالات عام 2022.

والآثار النفسية لا تقل ضررًا عن الحسية، تشير دراسات أمريكية إلى أن الزنى مرتبط بتدهور الصحة النفسية، وقد ورد في بحث من جامعة ولاية كاليفورنيا من 2013 أن الذين يمارسون الفاحشة لهم انخفاض في الثقة بأنفسهم مع عدم الشعور بالرضى بالحياة زيادة إلى الضيق النفسي وأعراض الاكتئاب.

 

ووجد بحث آخر أن حوالي واحد من كل خمس نساء (19.1%) في أمريكا تناولت دواء لعلاج القلق في عام 2024 وهو ما يقارب ضعف المعدل لدى الرجال، كما وجد الباحثون أن النساء أكثر احتمالا لتلقي علاج للصحة النفسية حيث تتناول 21.2% منهن أدوية للصحة النفسية مقارنة بـ 11.5% من الرجال. وهذا يثبت عكس ما يروجه دعاة الحريات المطلقة بأن الحرية تأتي بالسعادة، فالتقييدات الشرعية وضعت لحفاظ البشر من السقوط في هوة القلق والاكتئاب، قال تعالى: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير).  

 

وهناك بحوث أخرى تثبت أن نسبة القلق والاكتئاب عند المتزوجين أقل مقارنة من غيرهم؛ ربما لأن الزواج يوفر دعما عاطفيا واجتماعيا واقتصاديا مما يعمل كحاجز ضد التوتر والقلق، وقد وردتْ دراسة جديدة أجراها الاقتصادي الأمريكي سام بلتزمان في 2022 تتحدث على أن المتزوجين أكثر احتمالا بنسبة 30% في قدرتهم ورغبتهم في التصريح عن أحوالهم النفسية بكونهم سعداء مقارنة بغير المتزوجين. وكذلك النساء المتزوجات أكثر رغبة من غيرهن في وصف صحتهن النفسية بأنها ممتازة، أو جيدة جدًّا مقارنة بالرجال غير المتزوجين. فالأرقام والإحصائيات تثبت أن الممارسة الجنسية خارج الزواج تؤدي إلى آثار سلبية متمثلة في الشعور بعدم الرضا والقلق وغيرها من الأعراض النفسية غير السوية؛ 

 

ثم قال تعالى:(والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) فالأمانة من علامات الإيمان، وكان النبي ﷺ يقول: (لا إيمان لمن لا أمانة له)

 

ثم قال تعالى: (والذين هم بشهادتهم قائمون) أي يقيمون الشهادة بالحق، لا يكذبون ولا يزورون.

 

وأخيرا، يؤكد القرآن على ما بدأ به من صفات الإيمان، والتي هي سبيل الأمان من القلق وفقدان الطمأنينة، فقد بدأ بالصلاة وختم بها: (والذين هم على صلاتهم يحافظون) إشارة إلى مكانتها العظيمة، يؤديها المؤمن بشروطها وواجباتها وسننها؛ لأن الصلاة هي الحصن الحصين الذي يحمي الإنسان من الاضطراب والخوف. وقد كان الرسول الأمين، صلى الله عليه وسلم، يجد في الصلاة الراحة والطمأنينة؛ فكان يدعو لأداء الصلاة بقوله: (أرحنا بها يا بلال).

 

والحمد لله أولا وآخرا.

إقرأ أيضًا

اترك تعليقاً

يجب أن تكون مسجل الدخول لنشر التعليق.