- في مقالات
- 2026-03-14
- 6 مشاهدة

بقلم: عبد الله الكبير.
- صباح السبت، الثامن والعشرين من فبراير 2026، شنّت مقاتلات كيان الاحتلال مع نظيراتها الأمريكية هجومًا عنيفًا مباغتًا على عدة أهداف مدنية وعسكرية في إيران. وأسفر استهداف مقر المرشد الأعلى لإيران علي خامنئي عن استشهاده مع عدد كبير من القيادات الأمنية والعسكرية. خرج بعدها الرئيس الأمريكي ترامب ورئيس وزراء كيان الاحتلال بخطابين يعلنان فيهما الهجوم، داعيًا كلاهما الشعب الإيراني إلى الخروج على النظام وإسقاطه.
- كانت خطة الهجوم تقوم على استهداف رأس النظام وكبار القيادات، ليتشجع الناس وينزلوا إلى الشوارع والميادين لمواجهة الحرس الثوري وقوات الأمن، في لحظة ارتباك يُفترض فيها أن الشلل قد أصاب مؤسسات الدولة الأمنية بعد تحييد القيادات. ولكن الشعب لم يستجب لهذه الدعوات، ومن ثم لم تقع ثورة على النظام كما توقع الرئيس الأمريكي.
- سقط رهان ترامب على حرب خاطفة ونظيفة يخرج بعدها منتفخًا بطريقته الطاووسية، متحدثًا عن قدراته وبطولاته وسلامة قراره وبعد نظره. وبعد فنزويلا ينتهي من إيران، معلنًا عن بقية الدول القادمة المستهدفة بالسيناريو الفنزويلي. لكن بعد ساعات قليلة انطلق الرد الإيراني الواسع، مستهدفًا بمئات الصواريخ والطائرات المسيّرة ذاتيًا مواقع عسكرية في دولة الاحتلال، والقواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج والأردن، ما يعني أن النظام استوعب الضربة الأولى واستعاد السيطرة بسرعة، مؤكدًا تماسكه واستعداده للمواجهة بصموده في الأيام التالية، ونجاحه في تسديد ضربات موجعة للأصول العسكرية الأمريكية في المنطقة، وشل الحركة داخل الكيان بالكامل بهروب قطعان المستوطنين للاختباء في الملاجئ.
- التحشيد العسكري الذي سبق العدوان تواصل من دون انقطاع، حتى حشدت أمريكا ثلث قوتها الإجمالية في البحار وفي قواعدها بالمنطقة. ولم يعد ثمة شك في حتمية العدوان، رغم استمرار مفاوضات أكد وسيطها العماني أنهم قاب قوسين من التوصل إلى اتفاق، بعد موافقة الوفد الإيراني على أغلب الشروط الأمريكية. غير أن نوايا العدوان كانت مبيتة سلفًا بصرف النظر عن نتيجة المفاوضات.
- فرغم تصريحات الرئيس الأمريكي، في حملته الانتخابية أو خلال ما مضى من رئاسته، عن عدم قناعته بالحرب، وانتقاده تورط الإدارات السابقة في حروب كان يمكن تجنبها، وافتخاره بإنجازات ضخمة لا أحد يعرف عنها شيئًا من أجل السلم العالمي، مثل إنهائه أكثر من سبع حروب، بعضها مستمر منذ ثلاثة آلاف سنة، وطموحه في أن يكافئ العالم هذا الجهد والموقف الصلب ضد الحروب بجائزة نوبل للسلام؛ فإن هذا التحول الغريب دفع الكثير من المراقبين إلى الحديث عن الضغوط التي يتعرض لها ترامب من اللوبي الصهيوني، وابتزازه بملفات ما تزال مخفية عن قضية إبستين، التي يبدو أنه متورط فيها إلى الحد الذي سيضعه في مواجهة العدالة مهما طال الزمن.
- أما نتنياهو فقد وطّن نفسه على عدم الخروج من حالة الحرب؛ لأن هدوء جبهات القتال يعني بلوغ يوم المساءلة ومثوله للتحقيق في قضايا فساد والفشل في منع هجوم 7 أكتوبر. ولأن الأدلة أكثر من كافية فلن يفلت من عقوبة السجن، ما يعني نهايته كسياسي.
- التمسك السياسي والأمني والعسكري في إيران، رغم قوة الضربة الأولى ومقتل المرشد الأعلى، والصمود الأسطوري لإيران شعبًا وقيادة وقوات مسلحة، لم يدفع ترامب إلى إعادة التفكير في مخططاته واستراتيجياته، بالعودة إلى تحذيرات سبقت الحرب من كبار جنرالات الجيش الأمريكي عن التكلفة والزمن وصعوبة، إن لم يكن استحالة، إسقاط النظام في طهران. بل مضى وراء غروره وعنجيته وغطرسته، داعيًا الإيرانيين إلى الاستسلام الكامل من دون شروط، مكررًا رغبته في تنفيذ سيناريو فنزويلا، معلنًا عزمه بعد القضاء على رأس النظام أن يتولى شخصيًا اختيار قيادة جديدة من بين شخصيات النظام تتولى القيادة، وترسم لها أمريكا طريق التبعية والخضوع لإرادة أمريكا وكيان الاحتلال.
- رغم اتساع نطاق الحرب، وامتداد الرد الإيراني ليشمل كل الدول التي تأوي قواعد أمريكية، فإن دول الخليج لم تسقط في فخ المواجهة المباشرة مع إيران؛ فالتحريض الصهيوني والضغط الأمريكي كانا يسعيان إلى إقحامها في الحرب، ثم الانسحاب وتركها تخوض مواجهة مدمرة ربما لعدة سنوات، تُدمَّر فيها المنطقة وتُستنزف مواردها، بينما تتحول أمريكا إلى تاجر سلاح يبرم الصفقات مع الجميع.
- كل التطورات اللاحقة كانت تشير بوضوح إلى حرب استنزاف طويلة ستنهك أمريكا وحليفتها. فقد تناقصت الذخائر، وتشتت المجهود الحربي بين عدة جبهات اشتعلت وفجّرت المنطقة. وحتى كتابة هذا المقال في اليوم الخامس عشر للحرب لا تظهر إيران أي خور أو وهن، بينما يكابر ترامب ويزداد معدل تناقض تصريحاته؛ بين الإعلان عن الاقتراب من نهاية الحرب، وبعد ساعتين يخرج بتصريح ينسف ما قاله للتو: سنواصل الحرب حتى تحقيق كامل الأهداف.
- هذه الأهداف التي كانت تتغير بالتعديل والحذف والإضافة في الأيام التالية لإشعال الحرب تؤكد عدم وجود استراتيجية واضحة لأهم جزئية في الحرب، وهي وضوح الأهداف والجدول الزمني لتحقيقها.
- متى تنتهي الحرب؟
- هذا السؤال كان الأكثر تداولًا في وسائل الإعلام والمؤتمرات الصحفية وأحاديث الخبراء، ولكن لا أحد كان بوسعه تقديم الإجابة القاطعة. كل إجابات السياسيين كانت مراوغة، وكل تقديرات الخبراء تكهنات لا يمكن الجزم بصحتها إزاء رئيس منحرف غريب الأطوار، لا يتوقف هذيان تصريحاته المتناقضة بسبب نرجسيته وهوسه بالظهور الإعلامي.
- يرى نابليون أن «الحرب هي أكثر المعادلات تعقيدًا على الإطلاق؛ إذ يصعب التنبؤ بنتائجها، لأن هناك عددًا من العوامل المجهولة التي يصعب، إن لم يكن من المستحيل، معرفتها مسبقًا». فإيقاف عبور ناقلات النفط من مضيق هرمز ليهتز الاقتصاد العالمي كان من العوامل المفاجئة لقيادات العدوان. وكذلك شمول بنك الأهداف الإيراني لرادارات المراقبة الضخمة في قطر والبحرين والأردن، ونجاح الإيرانيين في إصابتها، لتعطّل القدرات الأمريكية على رصد وتتبع الصواريخ الإيرانية منذ لحظة إطلاقها. ومع استمرار الحرب قد تظهر عوامل أخرى لم تكن في حسبان ترامب وإدارته، فيضطر مرغَمًا إلى إنهاء عدوانه، بعد أن يصيبه اليقين من حقيقة ما يزال يتجاهلها أو يراوغها، وهي تورطه في حرب ستضر بمكانته وبهيبة بلاده، وقد تنتهي به نهاية المطاف معزولًا يواجه العدالة.
- ما هو معيار الفوز والخسارة في هذه الحرب؟
- لا شك أن الدمار في إيران هائل، ويبلغ أضعاف ما تعرض له كيان الاحتلال أو القوات الأمريكية، وستستغرق إعادة بناء ما دمرته الحرب سنوات طويلة. ولكن في الحروب غير المتكافئة بين قوة عظمى ضخمة وقوة صغيرة، فإن حجم الدمار في البنى التحتية وعدد القتلى لا يدخلان في حسابات الربح والخسارة.
- لقد دُمِّرت فيتنام وأُحرقت مدنها وغاباتها، وبلغ عدد ضحاياها الفيتناميين نحو ثلاثة ملايين، مقابل أقل من ستين ألف قتيل أمريكي. ومع ذلك خرجت أمريكا مهزومة لفشلها في إخضاع الفيتناميين. ووقع المشهد نفسه في أفغانستان بعد عقدين من السيطرة الأمريكية، ويبدو أن المشهد الختامي لهذه الحرب سيذهب إلى النتيجة نفسها.
- صمود البلد المستضعف رغم التكلفة الباهظة، وإجباره المعتدي على لملمة مدافعه وطائراته وأساطيله والرحيل، هو الانتصار في الحروب غير المتوازنة، حين يكون الفارق بين القوة المعتدية والقوة المدافعة كبيرًا وخارج نطاق المقارنة.
- خلال حرب فيتنام قال كيسنجر:
- «نحن نخسر لأننا لا ننتصر، والفيتناميون ينتصرون لأنهم لا يخسرون».
اترك تعليقاً
يجب أن تكون مسجل الدخول لنشر التعليق.