بقلم: د. نجاح بن زايد.
لم يظهر الصوم في التاريخ الإنساني، عبر مراحله المختلفة، بوصفه تشريعًا دينيًا خاصًا بثقافة بعينها، بل كممارسة أنثروبولوجية قديمة ارتبطت بمحاولات الإنسان الأولى لفهم ذاته وضبط غرائزه. بدءًا من الحضارات القديمة، مرورًا بتجارب الزهد عند الإغريق، وانتهاءً ببعض الفلسفات الشرقية، كان الامتناع عن الطعام وسيلة لتخفيف أثقال الجسد وتحرير الفكر، وكأن الإنسان أدرك مبكرًا أن الوفرة الدائمة قد تُشتّت الوعي وتُضعف التفكير، بينما يفتح الحرمان المؤقت باب التأمل والسؤال. لاحقًا، ومع ظهور الشرائع التوحيدية، لم يُلغَ هذا البعد العميق للصوم، بل أُعيد تأطيره أخلاقيًا. ففي اليهودية والمسيحية، على سبيل المثال، ارتبط الصوم بالتوبة ومساءلة الذات. أما في الإسلام، فقد مُنح الصوم بعدًا أعمق، بعد أن رُبط مباشرة بالتحوّل الأخلاقي، ولم يعد محصورًا في منطق الثواب وحده. ولعل المتأمل في قوله تعالى:
(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )) (البقرة: 183).
يلاحظ أن لفظ (لعل) لا يحمل وعدًا مضمونًا بالتقوى، بل يفتح الباب لكل الاحتمالات. فالنص القرآني لا يقدّم التقوى بوصفها نتيجة آلية للصيام، بل يضع الإنسان أمام مسؤولية تحويل الامتناع الجسدي إلى وعي أخلاقي. وبهذا المعنى، لا يكون الصوم طقسًا مكتملًا بذاته، بل مشروع تحوّل مفتوح، يتوقف على استعداد الذات لمراجعة علاقتها بالرغبة، وبالكلام، وبالغضب، وبمختلف الشهوات. الامتناع، هنا، لا يُفهم كغاية في ذاته، بل كأداة للكشف والاختبار. ولذلك لا نستغرب أن يُربط الصوم في الحديث النبوي بضبط اللسان والانفعال، في إشارة واضحة إلى أن العبادة لا تبقى حبيسة الشعائر، بل يمتد أثرها ليشمل السلوك اليومي. وبالتالي لا يُقاس الصوم بما نتركه من طعام وشراب، بل بما يتغيّر في طريقة حياتنا، وفي علاقتنا بالآخرين.
مع تطوّر الحياة المعاصرة وتعقّدها، يبهت هذا المعنى العميق للصوم، وربما لا يُعاش على النحو المطلوب. وهو ما يدفعنا إلى التساؤل: كيف يبدو الصوم حين يُمارَس داخل إيقاع حياتي سريع ومُرهق، مليء بالضغوط والملهيات؟ وهل يظل مساحة للتأمل ومراجعة الذات، أم يتحوّل، في كثير من الأحيان، إلى عادة جماعية نؤديها دون أن تترك أثرًا عميقًا في وعينا؟
هذا التحوّل يبدو واضحًا في كثير من المجتمعات المعاصرة، إذ يتحوّل الصوم إلى ممارسة تكيّف جماعية مع القلق اليومي؛ القلق المرتبط بالمال والمعيشة والظروف العامة. وشيئًا فشيئًا يفقد الصوم قدرته على أن يكون فعل مقاومة داخلية، ليصبح طقسًا يُؤدّى لتخفيف التوتر مؤقتًا، دون أن يرقى إلى طرح السؤال الأخلاقي الذي يُفترض أن يكون في صميم معناه. وهنا يطرح سؤال آخر: هل يمكن أن تفقد الممارسة الروحية جزءًا من معناها دون أن تختفي من حياتنا؟ وهل يمكن أن نستمر في أدائها بينما يتغيّر دورها وتأثيرها فينا؟
للإجابة عن هذا السؤال، يمكن الاستعانة بما أشار إليه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو حين تحدّث عن تحوّل الممارسات الروحية إلى ما يسميه بـ ( تقنيات الضبط ) عندما تفصل عن بعدها النقدي. فبدل أن يكون الصوم تدريبًا على السيطرة الواعية على الرغبة، قد يُعاد إدراجه داخل نظام اجتماعي يعيد إنتاج الرغبات نفسها بعد الإفطار. وبالتالي يصبح الامتناع المؤقت جزءًا من دورة استهلاك أشد كثافة، كأن الجسد يُرهَق نهارًا لتتم مكافأته ليلًا، دون أن يقود ذلك إلى وعي دائم.
الفكرة نفسها تناولها عالم الاجتماع جان بودريار، حين بيّن كيف تستمر الطقوس في أداء وظائفها الاجتماعية حتى بعد أن تخفّ معانيها الأصلية. فالصوم، في صورته المعاصرة، لا يختفي، بل يتحوّل إلى علامة انتماء جماعي، أقل تركيزًا على التحوّل الداخلي. وهنا يُطرح السؤال بصيغة أخرى: ماذا يبقى من العبادة حين تفقد قدرتها، ولو جزئيًا، على كسر العادة؟
هذا السؤال طرحه مصطفى محمود مبكرًا، خاصة في كتابه رحلتي من الشك إلى الإيمان، حين تساءل عن قيمة عبادة لا تُغيّر صاحبها، ولا تترك أثرًا أخلاقيًا في سلوكه. ولم يكن نقده موجّهًا إلى الدين ذاته، بل إلى التدين الشكلي الذي يُستخدم كآلية نفسية لبث الطمأنينة، دون مواجهة حقيقية لأسئلة القلق والمعنى. وعند إسقاط هذا التحليل على الواقع العربي، يظهر التناقض بوضوح. ففي المجتمعات المأزومة سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، غالبًا ما يُستثمر شهر رمضان كمساحة للهروب من الواقع بدل مساءلته. لذلك يكون التركيز على العروض المرئية، والمسلسلات، وبرامج التسلية، بل ويُعاد إنتاج خطاب ديني استهلاكي، يحوّل الصوم إلى أداة لتخدير الوعي وليس لإيقاظه. أما في السياق الليبي، فتبدو المفارقة بشكل أكثر وضوحًا. إذ ينشغل معظم الناس بتأمين مستلزمات البيت، وملاحقة الأسعار، حتى يصبح الصوم امتدادًا لأزمة المعيشة، بدل أن يكون فرصة لمراجعة شروط العيش الكريم. ويمكننا بسهولة ملاحظة كيف تُختزل أيام الشهر داخل كثير من البيوت في الطبخ وتجهيز الموائد، بينما يقضي كثير من الشباب ليالي رمضان في السهر والتنقّل بين الشاشات والمقاهي. وهو دليل على غياب أبعاد الصوم الحقيقية المرتبطة بالسلوك اليومي. حتى المظاهر الدينية الخاصة بالشهر، كالتلاوة والدروس والمبادرات الخيرية، تبقى مجرد نشاطات موازية تفشل في اختراق نمط العيش العام، فيبقى المعنى الحقيقي في الهامش، بعيدًا عن مركز التجربة.كل ذلك يؤكد أن استعادة المعنى العميق للصوم لا يمكن أن تتم عبر الخطاب الوعظي وحده، بل من خلال مسارات عملية وبسيطة. من أهمها ربط الصوم بالتربية والسلوك، بحيث لا يُتعامل معه كمسألة فقهية فحسب، بل كقيمة روحية تُغرس منذ الطفولة. كما يبرز دور الإعلام، الذي يحتل مساحة واسعة من الوعي الرمضاني؛ نحن بحاجة ماسّة إلى إعادة توجيه الإعلام نحو محتوى يطرح أسئلة عميقة ويرفع مستوى الوعي بمعنى الصوم، بدل الاكتفاء بالوعظ المباشر أو مجرّد الترفيه. كذلك، ترشيد الاستهلاك يعدّ من المسارات العملية المهمة؛ ففي مجتمعنا الذي يعاني من الغلاء والشح، لابد أن يكون إعادة التفكير في عادات الشراء من أهم الأولويات.
في الواقع، هناك مسارات متعددة يمكن من خلالها تحويل الصوم من طقس للتكيّف مع الواقع إلى تمرين سنوي على إعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان ورغباته، وبين الفرد ومجتمعه. والأهم، إعادة التركيز على الأبعاد العميقة للأوامر الإلهية كما وردت في النصوص القرآنية. على سبيل المثال، تضم الآية الكريمة: (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ) (البقرة: 185) بعدًا دلاليًا يتجاوز المعنى اللفظي للتكبير، إلى إعادة ترتيب القيم نفسها. فالآية تأتي بعد إتمام العدّة، أي بعد تجربة زمنية من الصبر وضبط الرغبة، وكأن التكبير هنا ليس مجرّد خاتمة شعائرية، بل لحظة وعي بما هو أعظم في حياة الإنسان. تعظيم الله بهذا المعنى لا ينفصل عن تعظيم القيم التي يحيا بها الإنسان، مثل قيمة المسؤولية، وضبط النفس، واحترام الآخر. أما عندما يُفصل التكبير عن هذا السياق، فسيكون مجرّد تكرار لفظي، تمامًا مثلما يتحوّل الصوم إلى عادة لا تحدث تأثيرًا لا في السلوك ولا في الوعي.
ختاما، يجب التأكيد على أن الصوم فرصة سنوية لإعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان ونفسه، وبين الرغبة والوعي. وما أحوج مجتمعنا الليبي المأزوم إلى هذا الترتيب، خاصة وأن الصوم أحد أهم المساحات القليلة التي ما زالت قادرة على إيقاف هذا الاندفاع اليومي، ولو مؤقتًا، وإعادة توجيه النظر إلى الداخل والسؤال عما تغيّر فينا. الصوم بمعناه الحقيقي هو البداية الصحيحة لإصلاح الفرد، ومن ثم إصلاح المجتمع.


















اترك تعليقاً
يجب أن تكون مسجل الدخول لنشر التعليق.