728 x 90

من العبادة إلى العيادة .. هكذا يدمّر الإهمال الصحي صيامك!

من العبادة إلى العيادة .. هكذا يدمّر الإهمال الصحي صيامك!

بقلم: د. نور الدين بالحاج.

 

رمضان!

حين تجتمع العبادة مع الطب، ويصبح الصيام طريقًا لإحياء الجسد لا إنهاكه!

رمضان ليس شهر الامتناع عن الطعام والشراب فحسب، بل هو مدرسة متكاملة لإعادة ضبط حياة الإنسان، روحيًا ونفسيًا وصحيًا.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

والتقوى المقصودة هنا ليست مجرد ترك الأكل، بل حسن التدبير، وضبط الشهوات، واحترام نعمة الجسد التي استودعنا الله إياها.

من المؤسف أن يتحول رمضان عند كثير من الناس إلى شهر إرهاق صحي، وسهر مفرط، وتخمة غذائية، حتى يخرج الإنسان منه بزيادة في الوزن، واضطراب في السكر والضغط، وتعب في الكلى والجهاز الهضمي. وهذا يتناقض تمامًا مع هدي النبي ﷺ الذي قال:

«ما ملأ ابنُ آدم وعاءً شرًّا من بطنه، بحسب ابن آدم لُقيمات يُقِمْنَ صلبه» [رواه الترمذي].

 

فالصيام جاء ليخفف عن الجسد، لا ليُثقله، ويُريح الأعضاء، لا ليُرهقها.

أول أسس الصحة في رمضان هو الاعتدال في الأكل.

الإفطار ينبغي أن يكون متدرجًا: البدء بالتمر اقتداءً بسنة النبي ﷺ، ثم الماء، ثم وجبة خفيفة متوازنة. الإكثار من المقليات، والدهون المشبعة، والحلويات الثقيلة يسبب ارتفاعًا حادًا في السكر، ويزيد العبء على القلب والكبد والبنكرياس.

قال الله تعالى:

﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾

وهذه الآية قاعدة ذهبية للصحة العامة، خاصة في رمضان.

الماء عنصر لا غنى عنه، بل هو أساس الحياة.

 قال تعالى:

﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾

الجفاف من أكثر المشاكل شيوعًا في رمضان، وهو سبب رئيسي للصداع، والإرهاق، وارتفاع الضغط، وتأثر وظائف الكلى.

 شرب الماء يجب أن يكون موزعًا من الإفطار إلى السحور، لا دفعة واحدة، مع التقليل من المشروبات الغازية والمحلاة التي تستنزف الجسم بدل أن ترطبه.

أما مرضى السكري والضغط وأمراض الكلى، فرمضان لهم عبادة بنظام لا بعشوائية. ديننا الحنيف راعى حال المريض، فقال تعالى:

﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾

ومن صام منهم فعليه الالتزام الدقيق بتنظيم الدواء، وعدم إهمال الجرعات أو مضاعفتها دون استشارة طبية.

تقسيم الدواء بين الإفطار والسحور أمر بالغ الأهمية، والسحور المتأخر المتوازن يساعد على استقرار السكر والضغط طوال النهار.

وقد قال النبي ﷺ:

«تسحّروا فإن في السحور بركة» [متفق عليه].

ولا تقل الصحة النفسية أهمية عن صحة الجسد. التوتر، والغضب، والسهر الطويل، والإجهاد النفسي المزمن، كلها عوامل ترفع السكر والضغط، وتضعف المناعة.

قال رسول الله ﷺ:

«فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل» [متفق عليه].

فرمضان ليس صيام المعدة فقط، بل صيام الأعصاب، وتهذيب النفس، وضبط الانفعال، وتنظيم النوم.

أما الرياضة في رمضان فهي مطلوبة ولكن بحكمة. المشي الخفيف بعد الإفطار بساعة، أو قبل المغرب بقليل، يحسن الدورة الدموية، ويساعد على ضبط الوزن، ويخفف من مقاومة الإنسولين، دون أن يرهق الجسم. الرياضة العنيفة مع الجوع والعطش قد تكون ضررًا لا فائدة.

ولا ننسى أن أخذ الدواء عبادة إذا قصد به حفظ النفس التي أمر الله بحفظها، قال تعالى:

﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾

فمن الخطأ أن يهمل الإنسان علاجه بحجة الصيام، أو يغيّر الجرعات دون علم.

خلاصة المقال:

رمضان فرصة سنوية نادرة لإعادة ضبط حياتنا الصحية. من صام بعقل، وأكل باعتدال، وأكثَر من شرب الماء، ونظم دواءه، وهدّأ نفسه، ومارس الرياضة بحكمة، خرج من رمضان أقوى جسدًا، وأصفى نفسًا، وأقرب إلى الله.

رمضان ليس شهر الإهمال الصحي، بل موسم الإصلاح الشامل… ومن فهم الصيام حق الفهم، جعل صحته جزءًا من عبادته.

إقرأ أيضًا

اترك تعليقاً

يجب أن تكون مسجل الدخول لنشر التعليق.