بقلم: محمد عمران.
العلوم وإن اشتركت في أصل البيان، فإنها تتباين في طرائق الإفصاح عن المعاني والقصود؛ إذ لكل فنٍّ لسانٌ يخصّه، واصطلاحٌ يميّزه، ونسقٌ في العرض لا يقوم غيره مقامه. وعلم أصول الفقه من أشدّ العلوم افتقاراً إلى إحكام العبارة، وأعظمها تعلّقاً بدقّة اللفظ وعمق المعنى؛ لأنه ميزان الاستدلال، وموضع ضبط الحدود والعلل، ومناط الفصل بين وجوه النظر.
ومن هنا كانت ملكة “التعبير الأصولي” من أجلّ الملكات قدراً، وأعظمها أثراً في تحصيل هذا الفنّ وضبط مسالكه، بل وضبط كل الفنون على جهة الإجمال. وليست هذه الملكة لفظاً يطلق على مجرّد جودة العبارة، بل هي قوّة راسخة، تُكسب صاحبها قدرةً على تصوير المعاني الأصولية في قالبٍ محكم، يُبيّن المقصود، ويدفع الاحتمال، ويكشف وجه الدلالة، كما تضفي على صاحبها أسولبا رائقاً ملحوظ التميز في كل ما يسطر من كلام في سائر الفنون.
في تحديد معنى الملكة:
الملكة في أصل وضعها هيئةٌ راسخة في النفس، تصدر عنها الأفعال بسهولة ومن غير تكلّف. فإذا أُضيفت إلى التعبير الأصولي، كان المراد بها:
هيئة تمكّن الكاتب من عرض المسائل الأصولية بعبارة جامعة مانعة، مرتبة على قانون النظر، منضبطة بالمصطلح، متحرّزة من الاضطراب والإيهام.
فليست العبرة بكثرة الألفاظ، ولا بطول العبارة، بل بوقوعها على وجهٍ يطابق المعنى المراد من غير زيادة تُشوش، ولا نقصٍ يُخلّ، ولا مناط غير متحقق.
ومن لم يُحكم تصور المعاني الأصولية، لم يُحسن التعبير عنها؛ لأن العبارة فرع التصور، واللفظ تابع للمعنى خادم له، فإذا اضطرب الأصل، اضطرب الفرع لا محالة.
في خصائص التعبير الأصولي:
أولاً: الاحتراز في المصطلح:
الأصولي لا يُرسل اللفظ إرسالاً، بل يزنه بميزان الاصطلاح؛ لأن كثيراً من الألفاظ قد تشترك في الاستعمال العام، وتفترق في المعنى الاصطلاحي.
فلفظ «العلة» مثلاً، و«السبب»، و«الشرط»، وإن تقاربت في الاستعمال اللغوي، فإن بينها فروقاً دقيقة في اصطلاح الأصوليين. ومن سوّى بينها في التعبير، فقد أخلّ بالتحقيق.
فأول ما تُبنى عليه الملكة: تحرير الألفاظ قبل إطلاقها، والنظر في حدودها قبل استعمالها.
ثانياً: الإيجاز المبيّن:
ليس الإيجاز عند الأصوليين حذفاً مُخلّاً، ولا اختصاراً مُبهماً، بل هو جمعُ المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة مع تمام البيان.
فالعبارة المحكمة هي التي إذا سُمعت، دلّت على المقصود من غير حاجة إلى استدراك، ولا إطالة تُخرجها عن حدّ الإحكام.
ولهذا ترى عبارات المحققين موجزةً في صورتها، واسعةً في معناها، تحتاج إلى بسطٍ في الشرح، لا لنقصٍ فيها، بل لغزارة ما اشتملت عليه.
ثالثاً: ترتيب المعاني على قانون النظر:
التعبير الأصولي لا يقوم على التدفّق الإنشائي، بل على البناء المنطقي.
فلا يُذكر الحكم قبل تحرير محل النزاع، ولا تُساق الأدلة قبل تصوير المسألة، ولا يُرجَّح قول قبل عرض ما يُعارضه.
بل يُرتّب الكاتب كلامه على هذا النسق:
تصوير المسألة.
تحرير محل النزاع.
ذكر الأقوال.
عرض الأدلة.
النظر في وجوه الاعتراض.
الترجيح.
فإذا اختلّ هذا الترتيب، اضطرب الفهم، وتشوّش المقصود.
رابعاً: التمييز بين المقامات:
ينبغي للكاتب الأصولي أن يفرّق بين مقام التقرير ومقام الاعتراض، وبين مقام الحكاية ومقام الاختيار.
فربّ عبارةٍ تُذكر على جهة النقل، فيظنّها القارئ اختياراً، أو تُذكر على جهة الاعتراض، فيُتوهم أنها تقرير.
ومن إحكام التعبير: أن يُنبّه الكاتب على مقصوده في كل مقام، بما يرفع اللبس، ويمنع التداخل.
في أثر الملكة الأصولية وأهميتها:
إن ملكة التعبير الأصولي ليست زينة لفظية، بل هي آلةٌ للفهم الصحيح؛ لأن كثيراً من الأغلاط في هذا الفن إنما نشأت من اضطراب العبارة، لا من فساد الدليل.
فالعبارة إذا لم تُحكم، احتملت وجوهاً متعدّدة، وربما نُسب إلى القائل ما لم يرده.
وهي كذلك طريقٌ إلى الاجتهاد؛ إذ الاجتهاد مبناه على:
تصوير المسألة.
ترتيب الأدلة.
بيان العلة.
دفع المعارض.
وكل ذلك لا يستقيم إلا بعبارةٍ محكمة.
في طريق تحصيل هذه الملكة:
اعلم أن هذه الملكة لا تُنال دفعةً واحدة، ولا تحصل بمطالعةٍ عارضة، بل تُكتسب بطول المران، وكثرة المزاولة.
ومن أنفع ما يُسلك في تحصيلها:
1- إدمان النظر في كتب المحققين من الأصوليين كالجويني، والغزالي، والرازي، والقرافي، والشاطبي، وغيرهم، مع استحضار طرائقهم في العرض.
2- إعادة صياغة المسائل بعبارةٍ موجزةٍ محكمة.
3- التدريب على تحرير محل النزاع، وتعريف المصطلحات، وصياغة الأدلة.
4- العناية بلسان العرب؛ فإن الأصولي لا يستغني عن إحكام العلم باللغة.
فإذا واظب الطالب على ذلك، صارت العبارة الأصولية له سجية، لا تكلّف فيها ولا تصنّع.
خاتمة
فالحاصل أن ملكة التعبير الأصولي هي ثمرة رسوخ الفهم، وطول المران، وكثرة المعاناة للنصوص المحكمة.
ومن ظنّ أنه يُحسن هذا الفنّ بغير إحكام العبارة، فقد أخطأ طريقه؛ لأن الأصولي إنما يُعرف ببيانه كما يُعرف بدليله.
فإذا اجتمعت دقّة المعنى، وحسن الترتيب، وسلامة اللفظ، استقامت العبارة، وانكشف المقصود، وظهر وجه التحقيق.
وحينئذٍ تصير الكتابة الأصولية آلةً للفهم، وميزاناً للنظر، بل منهج حياة، لا مجرد ألفاظٍ تُسطَّر، ولا عباراتٍ تُحكى. وبالله التوفيق.


















اترك تعليقاً
يجب أن تكون مسجل الدخول لنشر التعليق.