بقلم: عبد الله نصر.
شاعَ بين الناسِ مؤخَّرا الحديثُ عن المكملات الغذائية، وظهرت العديد من المنشورات والمقاطع المصورة القصيرة والطويلة، تنصح باستعمال أنواع معينة من المكملات الغذائية والفيتامينات لعلاج أمراض وحالات معينة؛ يقول أصحابها إن المكملات الغذائية آمَنُ من الأدوية وأقلُّ في التأثيرات الضارة وتغني عن أخذها. وبرزت في المقابل أصواتٌ تحذِّرُ من هذه المكملات وترى أن لها أضراراً كما للأدوية أضرار، وأنها لا تحل محل الأدوية التقليدية، فأخذها مضيعةٌ للمال، مفسدةٌ للبدن؛ فما القصة؟!
تعرَّف على المكملات الغذائية:
هي كما يبدو من اسمها؛ مركباتٌ طبيعية الأصل، جزءٌ من الغذاء؛ منها الفيتامينات، والمعادن، والأحماض الأمينية، والألياف، وغير ذلك، وهي تُكمِّلُ النقصَ الذي وُجدَ في الغذاء الذي نأكله ونشربه يومياً. وينشأُ هذا النقص بسبب الكثير من العوامل؛ فمنها طريقة الزراعة الحديثة التي تركز على توفير الكميات الكبيرة من الخضروات والفواكه والحبوب، وذلك باستخدام الأسمدة والمبيدات الكيميائية، وغير ذلك من الممارسات، دون النظر إلى جودة الثمرة ومحتواها من المعادن والفيتامينات؛ فتمتد السيقان طويلة شاهقة، وتلمع الثمرةُ خضراءَ أو حمراءَ أو صفراءَ فاقع لونها، شهيٌّ منظرها، لكنها فقيرة القيم الغذائية، شحيحة المعادن والأملاح والفيتامينات. ومعلومٌ أن هذه القيم الغذائية هي جوهر الفواكه والخضروات، وهي مصدر الفوائد التي نجنيها من هذه الأغذية.
وقد أثَّر نقص القيمة الغذائية في النباتات على الحيوانات بنفس الأثر، وذلك أن أغلب أعلافها نباتي المصدر، فصارت لذلك القيم الغذائية في لحومها وألبانها متدنيةً كذلك. زد عليه أنَّ كبرى الشركات سعت -كما هو الحال في شأن الخضروات والفواكه والحبوب – إلى إنتاج الكميات الكبيرة، متبعةً وسائلَ تحقق إنتاجاً وفيراً من اللحوم والألبان، لكن بمحتوىً غذائي فقير إلى المعادن والفيتامينات.
ومن الأسباب الأخرى تأثير بعض الأدوية التي نتعاطاها اليوم على امتصاص الفيتامينات والمعادن أو الاستفادة منها، فمن ذلك مثلاً تأثير المضادات الحيوية على البكتيريا النافعة الموجودة بالطبيعة في جسم الإنسان، والتي تتركز بكثرة في الجهاز الهضمي، ولها أدوارٌ عظيمة تقومُ عليها سائر أجزاء الجسم؛ فإنَّ الإفراطَ في المضادات الحيوية، يقتل هذه الكائنات الحية. وقد اتجهت الشركات إلى تصنيعها في منتجات دوائية حتى تعوض النقص. ومن الأدوية الأخرى التي تسبب نقصاً في الفيتامينات بعضُ أدوية مرض السكري، الذي تصاب به أعداد كبيرة من الناس في مجتمعنا، وتؤدي بعضُ أدويته إلى تقليل امتصاص فيتامين ب12، فتظهر عندهم أعراض كتنميل الأصابع والأطراف، والشعور بالوخز، وحرارة الأطراف أو برودتها؛ كل ذلك لأن فيتامين ب12 مهم في نقل الإشارات العصبية وتحسين عمل الأعصاب الحسية والحركية لدى الإنسان.
والحقيقةُ أنَّ هذه القيم الغذائية تُعدُّ اللبَّ الذي تتركز فيه فائدة الغذاء، فنحنُ نعلم أنَّ البرتقالَ والليمون مثلاً يُعَدّان من الأطعمة التي يستحسن تناولها في الشتاء، لعلاج نزلات البرد أو الوقاية منها؛ ويعلم أغلبنا أن السرَّ فيها يكمن في فيتامين جـ Vitamin C، الموجود فيها بوفرة. كما نعلم أن الجوز مفيدٌ لمن يسعى إلى تمرين ذهنه على الحفظ والتفكير وزيادة التركيز، والسر في الأوميغا 3 (Omega3), التي توجد في الجوز بنسبةٍ عالية. وكذلك يوصي المدربون الرياضيون من أراد بناءَ كتلة عضليةٍ أن يتجهوا إلى اللحوم، بل وينوهون بأجزاء معينة منها؛ وذلك لاحتوائها على الكثير من البروتين Protein والأحماض الأمينية التي تعد الوحدات التي تتركب منها العضلات.
والأمثلة كثيرة، وكلما قلت القيمة الغذائية في الطعام احتجنا أن نعوضها من الخارج لأنَّ نقص بعضها قد يسبب أضراراً على صحة الإنسان، ويعيقُ عملَ أجزاء حيوية من جسمه، ولا يكون حينها أخذ المكمِّلِ ترفاً أو رفاهية؛ بل ضرورةً طبية لا مناصَ منها.
وتوجد المكملات الغذائية اليوم في الأشكال الدوائية المختلفة؛ كالأقراص والكبسولات والأشربة والزيوت والمساحيق Powder، وتباع في الصيدليات، وهي عادةً تُطلَب من المستهلك دون وصفة طبية، ويصفها أحياناً الصيدلي بناءً على شكوى المريض، على أنَّ الطبيب المعالج أيضاً قد يصفها ضمن خطة العلاج.
أضرارها:
وعلى الرغم من أنَّ دورها أساسي وفوائدَها عظيمة؛ إلا أنَّ استعمالها لا يعدُّ آمنا مطلقاً، بل إنَّ بعضها قد يترتبُ على استعماله – دون الرجوع إلى مختص – أضرارٌ لا تحمد عقباها، فمن ذلك مثلاً Omega3، الذي ذكرنا دوره في تحفيز وظائف الدماغ، وله وظائف أخرى أيضاً، لكنْ إذا تناوله مريضٌ بجرعات عالية، وكان يتناولُ أدويةً تزيدُ من سيولة الدم وتمنع تجلطَه كالـAspirin مثلاً، فإنَّ هذا يزيد من احتمال تعرضه للنزيف! أيضاً ثمة فيتامينات يُمنع وصفها للمرأة الحامل؛ أشهرها Vitamin E، ذلك أنه – بجرعات عالية – قد يسبب تشوهات في الجنين، لا سيما في أشهر الحمل الأولى.
أما الأطفال فإن الخطورة في شأنهم تكمن في أخذ المكملات بجرعات كبيرة أو لفترة طويلة، أو أخذها دون الاحتياج إليها؛ فمثلاً قد يُظَنُّ من بعض الأعراض التي تظهر على الطفل أنه يعاني من فقر الدم Anemia، فيسارع أبوه أو أمه إلى إعطائه مكمِّلاً غذائياً غنياً بالحديد Iron، فيزداد تركيزه في الدم، مؤدياً إلى تقشير البطانة المغلفة للقناة الهضمية، ومن ثم الإضرار بالخلايا، وقد يصل الأمرُ إلى فشل الكبد! كما يجب أن يحذر كل من يعاني من مرضٍ في الكلى من الإفراط في أخذ المكملات، لا سيما التي تُكوِّنُ أملاحاً بعد استقلابها في الكبد كـ Vitamin C، والمعادن كالبوتاسيوم والصوديوم والمغنيسيوم، والأحرى به أن يستشير طبيبه قبل أخذ أي مكمل غذائي.
هذا على سبيل المثال لا الحصر، والأفضلُ استشارة الصيدلي دائماً قبل الإقدام على تناول أي مكمل غذائي؛ حتى يوجهه إلى النوع الأنسب، والجرعة الكافية، والتي تضمن أماناً على صحته.
كيفية اختيارها:
قلنا إنَّ المكملات الغذائية فئة من المنتجات الصيدلانية التي لا يشترط في أخذها وصفة طبية، بل إن الفردَ يستطيع أن يتناولها بناءً على أحوال صحية وأعراضٍ تظهر على صحته. وهذا يستوجب منه أولا أن يُثقِّفَ نفسه حيالها، ويعلم وظيفة كل مركبٍ منها ودواعي استعماله؛ فمثلاً قد يؤدي نقص معدن المغنيسيوم في الجسم إلى إحداث تقلصات عضلية وشعور بالإجهاد، وذلك لأنه عنصر مهم في عملية انقباض العضلات وانبساطها. كما أنَّ من يعاني من أرق وصعوبة في النوم ينصح بأخذ مكمل الميلاتونين، الذي هو هرمون طبيعي يفرزه الجسم عند النوم العميق، والذي يؤدي نقصه إلى اضطرابات في النوم، أما فيتامين د، فهو عنصرٌ أساسي وهام في أغلب التفاعلات الحيوية في جسم الإنسان، فعلى من يشتكي من الخمول والإعياء وآلام في العضلات والمفاصل وضعف في المناعة أن يجري تحليل دم يعرف من خلاله إن كان هو السببَ في ذلك.
وبعد أن يحدد الشخصُ نوع المكمل الذي يحتاجه، عليه أن يعرف المقدار الآمن والفعال الذي ينصح بأخذه بالنظر إلى عمره ووزن جسمه ووضعه الصحي، ثم لْيختر منتجاً من شركة مضمونة، وحبذا أن يكون لها باع طويل في إنتاج المكملات، ولها وكيل يستورد منتجاتها إلى بلده بالطريقة السليمة، ثم ليبدأ في تناوله.
هذا وإن ظهرت عليه أعراضٌ جانبية أو علامات مقلقة، فليستشر مُختصّاً، وليشرح له ما جرى معه بالتفصيل، ولْيأخذ توجيهاته، فقد تسبب بعض المكملات شعوراً بحرقة المعدة، ويسبب بعضها الإمساك، وبعضها الإسهال، وبعض المكملات قد يحتوي على موادَّ يتحسس منها بعض الناس، وقد يكون الحل في التوقف واستبدال المكمل بمنتج لشركة أخرى، وقد يكون بأخذ بعض الأدوية التي تخفف هذه الأعراض، وأحياناً يكون الحل بالتوقف عنه البتة، والعدول إلى غيره!
متَّعنا الله وإياكم بالصحة والعافية، ونسأله أن ينفعنا بما علمنا ويزيدنا علماً ويستخدمنا لِمَراضيه!


















اترك تعليقاً
يجب أن تكون مسجل الدخول لنشر التعليق.