728 x 90

عقود النفط مقابل تجميد الوضع السياسي القائم

عقود النفط مقابل تجميد الوضع السياسي القائم

بقلم: عبد الله الكبير.

يسعى مسعد بولس صهر ومستشار الرئيس الأمريكي ترامب لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط بكل جهده وبالقوة التي يوفرها منصبه، على إنجاح صفقته في ليبيا ليجني من خلالها عمولة تقدر بالملايين أو ربما بمئات الملايين، مستثمرا فرصته في تنمية تروثه بالصفة التي يحملها كمستشار ضمن الدائرة الأولى حول الرئيس الأمريكي، وهو ليس بدعة في استغلال هذه الفرصة، فكل المحيطين بالرئيس الأمريكي هم أصهاره وأقاربه وقد عينهم في مناصب مهمة تتيح لهم العمل على تعظيم ترواتهم، رغم الشكوك في قدراتهم ومؤهلاتهم لتولي هذه المناصب السياسية والدبلوماسية، لأنهم في الأصل تجار عقارات ورجال أعمال، وليس في سيرهم الذاتية ممارسة مهام دبلوماسية سابقة، وما كان لهم تبوء هذه المناصب إلا بمؤهل وحيد هو القرابة مع الرئيس ترامب.

على خلفية القدرات الأمريكية والصلاحيات الواسعة للرئيس الأمريكي في السياسة الخارجية، يتحرك بولس بدبلوماسية الإغراءات التنموية، لمعالجة أزمات وصراعات معقدة في نطاق مهامه بالقارة الأفريقية والمنطقة العربية، من دون اللجوء للقنوات الدبلوماسية التقليدية لوزارة الخارجية الأمريكية، فحضور السفير أو القائم بالأعمال لبعض لقاءات بولس بالفاعلين المحليين في أي دولة، هو حضور شكلي بروتوكولي لا أكثر، لأن انخراط وزارة الخارجية الأمريكية في أزمات المنطقة تراجع خلال إدارة الرئيس ترامب، ويمكن أن نذكر هنا بالتغيير المستمر في تكليفات ترامب لشاغل وظيفة وزير الخارجية في ولايته الأولى، بشكل غير معهود في الإدارات الأمريكية السابقة، دافعا بمساعديه ومستشاريه لتولي أكثر ملفات المنطقة تعقيدا في ولايته الثانية، ليحقق رؤيته لحل الصراعات ومنح فرصة ذهبية لأصهاره لكي يستفيدوا من العمولات المرافقة للصفقات.

 يتحرك بولس في الملف الليبي داخل إطار استراتيجية أمريكية تشمل كل دول المنطقة، تعتمد على الواقعية السياسية وتصفير المشاكل أو تجميدها عبر مقاربات اقتصادية أمنية، بالعمل معا شركاء فاعلين شرقا ( حكومة حفتر ) وغربا ( حكومة الوحدة الوطنية )، لتحقيق عدة أهداف أمريكية أولها تحجيم نفوذ المنافسين، و إبرام عقود طويلة الأجل للاستثمار في قطاع الطاقة، واستغلال الإمكانيات الكبيرة التي تمتلكها ليبيا باعتبارها تحوز الاحتياطي الأكبر للنفط في القارة. ( 48 مليار برميل )، ووجود مساحات شاسعة غير مستكشفة يمكن أن ترفع هذا الرقم إلى مستويات أعلى بعد عمليات المسح.

 زار بولس طرابلس وبنغازي في نهاية يوليو 2025 وأجرى سلسلة من اللقاءات مع الدبيبة والمنفي ثم مع حفتر وأبنائه، ودار الحديث عن رغبة أمريكا في الدفع بالحل السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، (سيتم تجاهل الحل السياسي ومبادرة الأمم المتحدة في الزيارة اللاحقة). وتم التوقيع على اتفاقية تعاون بين المؤسسة الوطنية للنفط وعدد من الشركات الأمريكية في مجال التطوير والاستكشاف والتنقيب.

 وفي مستهل سبتمبر 2025 التقى بولس بممثلين عن السلطتين الحاكمتين في شرق وغرب ليبيا، واتفق في هذا اللقاء على اتفاق إطار بالعمل على تجاوز الانقسام وتوحيد المؤسسات، وجرى بحث بعض القضايا ذات الطابع الأمني العسكري، ما يؤكد أن زيارة بولس قبل نحو شهر كانت للإعداد لهذا اللقاء بالتعاون مع السلطات الإيطالية التي احتضنت اللقاء الثلاثي شبه السري بين بولس مبعوث الرئيس الأمريكي وإبراهيم الدبيبة عن حكومة الوحدة الوطنية وصدام حفتر عن معسكر والده خلفية حفتر.

عقب هذا اللقاء نظمت طرابلس مؤتمرا للطاقة في أواخر يناير 2026 حضره بولس وأشرف على توقيع عدة عقود استثمارية طويلة الأجل في مجال الطاقة، وحصلت شركات مصرية وتركية وفرنسية على عقود مهمة بمستوى أقل من الحصة الأمريكية، ولكنها كانت ذات دلالة سياسية واضحة، مفادها اعتراف أمريكا بنفوذ هذه الدول في الملف الليبي، وصعوبة التوصل إلى قدر معقول من الاستقرار دون إشراكها.

ولأن دخول الشركات الأجنبية إلى ليبيا يستلزم توفير بيئة أمنية مناسبة، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية مشاركة قوات ليبية من الشرق والغرب في مناورات عسكرية تنفذها أفريكوم في أبريل المقبل بمدينة سرت، تحت عنوان توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، وهو طموح دونه عقبات عدة على جهة القيادة والتراتبية والولاء، فحفتر الذي نصب نفسه قائدا للجيش ومنح نفسه رتبة مشير، وقلد أبناءه رتبا عسكرية من دون أن يدرسوا في كليات عسكرية ويتدرجوا في الترقيات وفقا للقواعد العسكرية ثم عينهم كمساعدين له، لن يقبل بالتنحي عن موقعه ولن يقبل باستبعاد أبنائه، وبالمقابل لا يمكن لضباط المنطقة الغربية العمل تحت إمرة ضباط مزيفون لا علاقة لهم بالمؤسسة العسكرية، لذلك أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الخطوة بدفع وإشراف أمريكي هو تخفيض حدة التوتر بين المعسكرين، ومنع أي تصعيد من شأنه إلحاق الضرر بمشروع الاستثمار الأمريكي. 

لا ريب أن عودة الشركات الأمريكية للاستثمار في قطاع الطاقة الليبي سيكون له أثر بالغ على تطوير البنية التحتية للحقول والموانئ، وسيدفع نحو تحديث وتفعيل المدونة القانونية الخاصة بالعقود مع مستثمر أجنبي، وبالضرورة سيفرض قدرا لا بأس به من الشفافية والحد من الفساد، لأن هذه الشركات محكومة بقوانين صارمة ورقابة حقيقية من المؤسسات الرقابية ووسائل الإعلام، وهذا سيفرض على الجانب الليبي مواكبة كافة الاشتراطات المطلوبة لتحسين مناخ الاستثمار.

لم يطلق بولس أي تصريحات ذات أهمية حول مبادرة بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، وحديثه عن الاستقرار والاستثمار من دون الإشارة إلى ضرورة الإنجاز السياسي كشرط أساسي للاستقرار، يعني أن الإدارة الأمريكية غير معنية حاليا بخوض هذا المسار الطويل والمعقد والمتعدد الفاعلين، وهي في عجلة من أمرها للحصول على المنافع الاقتصادية عبر العقود في مجال الطاقة، لذلك فإن الصيغة التي يمكن قراءتها في تحركات بولس هي تثبيت الصورة الحالية للسلطة، القريبة من الصورة الفيدرالية، وتخفيض حدة الصراع أو بمعنى آخر تصفير المشاكل بين قطبي السلطة، لتكون الأرضية ملائمة للاستثمار والاستفادة من الإمكانيات الواعدة لليبيا، بينما يبقى الحل السياسي مجمدا، وتنتهي مبادرة المبعوثة الأممية إلى الفشل شأنها في ذلك شأن محاولات سابقة لأسلافها. فالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان ومساعدة الشعوب على التحول الديمقراطي، مجرد شعارات ترفعها الدبلوماسية الأمريكية والغربية بشكل عام، لغرض الابتزاز والضغط السياسي داخل إطار لعبة المصالح، واللافت أن الإدارة الأمريكية الحالية لم تعد تستخدم هذه الشعارات، بل ويحتفي الرئيس الأمريكي علنا بالدكتاتوريين وهو يستقبلهم في مكتبه بالبيت الأبيض!

إقرأ أيضًا

اترك تعليقاً

يجب أن تكون مسجل الدخول لنشر التعليق.