728 x 90

تفكيك الوكلاء .. ماذا بعد استعادة عدن وحلب هل اقترب الدور على الفاشر وبنغازي

تفكيك الوكلاء .. ماذا بعد استعادة عدن وحلب هل اقترب الدور على الفاشر وبنغازي

بقلم: فرج المجبري.

عندما اندلع الربيع العربي قبل أكثر من عقد، بدا وكأنه لحظة تاريخية نادرة لإعادة بناء الدولة العربية على أسس الشرعية والسيادة والتمثيل الشعبي. لكن تلك اللحظة لم تُجهض من الداخل فقط، بل جرى تفكيكها عمدًا عبر الثورات المضادة، التي لم تكتفِ بإسقاط المسارات الديمقراطية، بل ذهبت أبعد من ذلك: أعادت تشكيل المنطقة على قاعدة الفوضى المُدارة، والمليشيات، والانقسامات الجغرافية والاجتماعية.

لم يكن الهدف تصحيح مسار الدول، بل كسر فكرة الدولة نفسها.

 

اليوم، وبعد أكثر من عشر سنوات، لا يعود المشهد نفسه. ما نشهده ليس “ربيعًا عربيًا” بالمعنى الكلاسيكي، بل عودة التاريخ بطريقة مختلفة: أقل شعارات، أكثر واقعية، وأشد قسوة في الصراع على شكل الدولة وحدودها ووظيفتها.

 

من انتكاسة الربيع إلى مشروع التفكيك.

تشير تقارير مراكز بحثية غربية وإقليمية إلى أن الفراغ الذي خلّفته الثورات المضادة لم يُملأ باستقرار، بل بمشروع أخطر: تفكيك الدول إلى وحدات أصغر، كيانات انفصالية، مناطق نفوذ، مليشيات عابرة للحدود، وموانئ وقواعد بلا سيادة وطنية.

هذا المشروع يجد جذوره الفكرية فيما يُعرف بـ مشروع “إسرائيل الكبرى”، ليس بوصفه توسعًا جغرافيًا مباشرًا فقط، بل كبيئة إقليمية محيطة قائمة على دول ضعيفة أو فاشلة، غير قادرة على تشكيل تهديد استراتيجي أو حتى موقف سياسي مستقل.

في هذا السياق، لم تكن إسرائيل وحدها في الميدان، بل اعتمدت على مقاولين إقليميين لتنفيذ هذا التفكيك بأدوات محلية، أقل كلفة سياسية وأكثر فاعلية ميدانية. وهنا يبرز الدور الإماراتي بوصفه المقاول الأوضح والأكثر نشاطًا: دعم مليشيات، رعاية مشاريع انفصالية، إدارة موانئ وقواعد، وربط ذلك كله بشبكات أمنية واقتصادية عابرة للدول.

عدن وحلب .. بداية تفكك منظومة الوكلاء.

ما جرى في عدن لم يكن مجرد حدث أمني، بل لحظة كاشفة. عندما قررت الدولة—بدعم إقليمي—كسر نموذج المليشيا المنفلتة، انهار الغطاء سريعًا، وظهر أن ما سُمّي لسنوات “قوة أمر واقع” لم يكن سوى وظيفة مؤقتة ضمن مشروع أكبر.

التطورات الأخيرة، كما عكستها بيانات التحالف العربي وتصريحات رسمية يمنية، أكدت أن مرحلة إدارة الجنوب عبر وكلاء انفصاليين وصلت إلى نهايتها.

وفي حلب، المشهد أكثر دلالة. العملية العسكرية هناك لم تستهدف مجرد جماعات مسلحة، بل سعت إلى إعادة تثبيت مركز الدولة في مواجهة مشاريع الحكم الذاتي والكيانات الوظيفية. الرسالة كانت واضحة: زمن التسويات القائمة على تفتيت السيادة يقترب من نهايته.

الفاشر .. المعركة الوجودية للسودان.

إذا كانت عدن وحلب إشارتين، فإن الفاشر هي العقدة الأخطر. المدينة تمثل آخر خطوط الدفاع عن الدولة السودانية في مواجهة مشروع المليشيا.

دعم قوات الدعم السريع، كما وثقته تقارير أممية وتحقيقات صحفية دولية، لم يكن دعمًا عابرًا، بل جزءًا من شبكة إقليمية أوسع تهدف إلى كسر السودان وإخراجه من معادلة الدولة المركزية.

لكن المؤشرات اليوم مختلفة: تضييق دولي متزايد، تغير في المزاج الإقليمي، وارتفاع كلفة استمرار نموذج حميدتي. حين يتحول الوكيل إلى تهديد للأمن الإقليمي، يصبح التخلص منه ضرورة لا خيارًا.

بنغازي .. عقدة سيادية مؤجلة.

أما بنغازي، فهي الحالة الأكثر حساسية وتعقيدًا. المدينة ليست مجرد معقل عسكري، بل رمز لمشروع الوكالة في ليبيا. ما أبقى نموذج حفتر قائمًا طوال عقد لم يكن شرعية شعبية ولا مشروع دولة، بل توازنات إقليمية ودولية بدأت تتصدع.

اليوم، تتغير البيئة التي حمت هذا النموذج:

تصادم واضح بين داعميه الإقليميين.

تآكل الغطاء الدولي.

تحوّل شرق ليبيا إلى ممر لوجستي للصراعات في السودان والقرن الإفريقي.

سخط اجتماعي متزايد وغياب أي أفق سياسي.

كل ذلك يجعل بنغازي عقدة سيادية مؤجلة لا مؤبدة. السؤال لم يعد إن كانت ستدخل مسار التحول، بل كيف ومتى.

عودة التاريخ .. ولكن بلا أوهام.

ما نشهده ليس عودة للربيع العربي بشعاراته الأولى، بل مرحلة ما بعد الثورات المضادة.

مرحلة تُسقط الوكلاء واحدًا تلو الآخر، وتعيد طرح سؤال الدولة بقسوة:

دولة مركزية ذات سيادة، أم كيانات وظيفية تخدم مشاريع خارجية؟

عدن وحلب ليستا نهاية السلسلة، بل بدايتها.

الفاشر وبنغازي على المسار نفسه، وإن اختلف التوقيت والأدوات.

الخلاصة أن قطار تفكيك منظومة الوكلاء قد انطلق، ومن لا يستعد لمرحلة ما بعدها – سياسيًا وأمنيًا – سيجد نفسه خارج المعادلة، لا جزءًا منها.

إقرأ أيضًا

اترك تعليقاً

يجب أن تكون مسجل الدخول لنشر التعليق.