بقلم: د. بلال فيصل بحر.
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد:
فقد أكرمني الله بحضور مجلس لفضيلة الأستاذ الشيخ الأصيل، والمحدث النبيل، والعالم الجليل، محمد بن عوامة الحلبي الحنفي، في مسجد شيخ الإسلام إسماعيل أغا بمحلة الفاتح في إسطنبول حرسها لله وسائر ديار الإسلام من كيد اللئام.
وقد انعقد المجلس بعد صلاة عصر الإثنين؛ وكان حافلا بالفضلاء مزدحما بالعلماء والطلبة من العجم والعرب حتى لا يكاد يوجد فيه موضع شبر، وخشيت أني إن قمت لشرب الماء أن يأخذ أحد مكاني، ثم رأيت أني إن أردت الخروج فلا يمكنني إلا على رؤوس العمائم، فتذكرت بهذا المجلس المبارك ما حكاه جعفر بن درستويه قال: كنا نأخذ المجلس في مجلس علي بن المديني وقت العصر؛ اليوم لمجلس غد، فنقعد طول الليل مخافة أنْ لا نلحق من الغد موضعا نسمع فيه، فرأيت شيخا في المجلس يبول في طيلسانه، ويدرج الطيلسان مخافة أن يؤخذ مكانه إن قام للبول!
ومن اللطائف أن الأتراك خارج المسجد قد تنبَّهوا لشدَّة الزحام في المسجد وحوله، فسمعت فتاة منهم سئلت بالتركية: لماذا هذا الازدحام؟ فقالت -وما أحسن ما خرج من فيها-: (عربجه شيخ بيوك عالم) فضحكت لقولها للطافته، ولأنا ببغداد نستعمل كلمة (عربجه) في الأعراب من أهل الجهل والجفاء!
ومن بركة المجلس أن حديث الشيخ كان فيه عن الإمام الحافظ محمد بن إسماعيل البخاري الذي ذكر الحافظ ابن عساكر في (تاريخه) أنه كان إذا عُقد مجلس الإملاء ازدحم الناس عليه حتى تمتلئ الدور والسطوح.
وكان حديث الشيخ عن كتاب الصحيح الذي رام بعض صحفيي زماننا ممن يتقفَّر العلمَ وينتهبه من الكتب بلا شيخ، أن يخدش في بعض أحاديثه ويشغب على صحتها؛ فما كان إلا قَمْقَامة حكَّت بجنب بازل، ثم استرسل الشيخ للكلام على تاريخ البخاري الكبير ودقة منهجه وثقوب نظره وشدَّة ذكائه وجودة تصرُّفه، ومعلوم أن الإمام الحافظ المجتهد إسحاق بن راهويه كان يسمي تاريخ البخاري بـ “السحر”!
وقد ابتدأ الشيخ محاضرته بوعظ أهل المجلس وتذكيرهم بفضل ما هم فيه من استماع الحديث والسنن والعلم، فساق ما أخرجه الدارمي عن ابن سيرين قال: دخلت المسجد فإذا الأسود بن سريع يقصُّ، وحُميد بن عبد الرحمن يذكر العلمَ في ناحية المسجد، فمَيَّلْتُ إلى أيهما أجلس، فنعستُ فأتاني آتٍ فقال: مَيَّلْت إلى أيهما تجلس؟ إن شئتَ أريتُكَ مكانَ جبرائيل عليه السلام من حميد بن عبد الرحمن.
ثم أخذت الشيخَ محمد عوامة حفظه الله حالٌ اعترتْهُ فبكى أو كاد من العبرة، ثم استقبل الحديث يسوقه عن تاريخ البخاري، فجاد على أهل المجلس بفوائد نفيسة طرَّزها بتعليقات كالـمَعَالِـم التي لا يستغني عنها حديثيٌّ يتعانى صناعة النقد إسناداً ومتنا، وهكذا كلام الكبار: منتخب من مستجاد ما اجتمع في محفوظاتـهم، واستقر في أوعية قلوبـهم، وارتسخ في أذهانـهم، واعتجن على مر السنين بخبراتـهم، فلا تجدهم يهذُّونه هذَّاً، وإنما يفرقونه ويبثُّونه كالضُرُوس؛ قليل متفرق لكن السُباسب تزدهر وتخضر مرابعَ منه.
اليوم شيءٌ وغداً مثلُهُ … من نُخَب العلم التي تُلْتَقَطْ
يُحَصِّل المرءُ بـها حِكْمَةً … وإنما السَّيْلُ اجتماعُ النُّقَطْ
وقد ذكر الشيخ بحثا ألقاه على أذهان أهل الحديث في تسمية (التاريخ الكبير) فساق عن ابن أبي حاتم ما ينبئ أن البخاري عنونه بالطبقات والتاريخ، واستأنس له بأن الكتاب مرتب على الطبقات، وليس بكتاب جرح وتعديل وإن كان فيه إلـماعات إلى فوائد ودقائق في العلل والرجال، ولم يقصد الشيخ الجزمَ بهذا العنوان وإنما التنبيه عليه مرعاةً لاسمه الواقع في نُسخ مخطوطاته، ولأن العلماء قد يتصرفون في أسماء الكتب فيذكرونـها بالمعنى.
ونبَّه الشيخُ على دقة البخاري وغموض مسلكه في هذا الكتاب، وأن بينه وبين الصحيح علاقة يتعيَّن التنبُّه لها، ولهذا تجد من لم يقتنص أغراض البخاري ولم يفهم مراميه في الكتابين، ينحدر في ذم أو نقد الكتاب، وبعضهم يتحيَّر في وجه سياقه فيحجم عن الإفادة منه.
ودونك بعض المتشيعة من المشتغلين بالحديث؛ ممن اجترأ على وصف البخاري بأنه “نُوَيْصِبي” حاشاه، لأنه روى في الصحيح عن عمران بن حطان الذي امتدح قاتل علي عليه السلام في أبيات معروفة نقضها عليه القاضي أبو الطيب الطبري.
فذكر الشيخ أن البخاري كأنه استشعر الاعتراض عليه في هذا، فأخرج في (تاريخه) عن محارب قال: (زاملتُ عمران بن حطان فما سأل واحد منا صاحبه عن الهواء).
أراد أن محارب بن دثار كان من المرجئة الأولى الذين كانوا يُرجؤون الكلام في علي وعثمان، وهذا مخالف لمذهب عمران بن حطان، ومع هذا زامله مدة طريق الحج فلم يكلمه، فيؤخذ منه أن عمران بن حطان لم يكن داعية إلى بدعته، فلهذا روى عنه البخاري في (الصحيح).
ومن إشاراته في هذا المعنى: ما ذكره الشيخ عن تاريخ البخاري أنه أخرج فيه عن تميم بن سلمة قال: (كان أبو عبيدة أشبه صلاة بعبد الله؛ فرأيته يصلي وما يحرك شيئا وما يطرف) وذكر أيضا عن أبي عبيدة أنه سأل أباه عن بيض الحمام؟ فقال: (صوم يوم).
ومراده إثبات سماعه من أبيه لأنه إذا كان أشبه الناس صلاة بأبيه: فالغالب أنه تعلم منه أو راقب صلاته فحذا حذوه فيها، وهذا يدل على قوة إدراكه؛ فأنْ يسمع منه أولى، وأيضا: فإن من يسأل أباه عن حكم بيض الحمام للمُحْرِم كيف لا يتجه له السماع والتحمل والأداء عن أبيه؟!
ومن لطائف المجلس ما أورده الشيخ من دقة تصرف البخاري في كتابه الصحيح، فذكر أن بعض المشتغلين بالحديث في العصر أفتى بأن المصلي لا يقول في التحيات: (السلام عليك أيها النبي) كما هو المشهور في الرواية ومذاهب العلماء، وإنما يقول: (السلام على النبي) واحتج بأن البخاري أخرج عن ابن مسعود قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفي بين كفيه؛ التشهُّدَ كما يعلمني السورة من القرآن: (التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وهو بين ظهرانينا، فلما قُبض قلنا: السلام يعني على النبي صلى الله عليه وسلم).
فتعقَّبه الشيخ بأن البخاري إنما تنكَّب إخراج هذا الحديث في بابه المتعلق به، وأخرجه في باب الاستئذان؛ لنكتة قصدها، وهو أن الحديث متروك الظاهر لم يقل به أحد على وجهه، فلا أحد من الفقهاء يذهب إلى أن قول (السلام عليك) منسوخ به، بل عامتهم يختارون (السلام عليك) وغايته أن منهم من يقول بجواز الأمرين.
وذكر أن هذه عادة البخاري في (الصحيح) إذا ذكر الحديث في غير بابه فإنه يشير به إلى نكتة متعلقة بالحديث، كما أنه تارة يعقد بابا، ثم لا يورد فيه حديثا، فنقل عن المهلب وابن بطال أنه يشير به إلى أنه لا يصح فيه على شرط كتابه شيء، أو أن ما بوب به من الحكم لا يصح عند أهل العلم.
والأول كما أن البخاري أخرج حديث الزهري في بدء الوحي في ستة مواضع من كتابه، ليس فيها لفظ: (التردي من شاهق) إلا في كتاب التعبير، كأنه يشير بذلك إلى أنه إن صح فهو رؤيا منامية وليس بحقيقة.
ومن الفوائد التي نثرها الشيخ في مجلس البخاري هذا: أن البخاري قد يشير إلى تعليل بعض الألفاظ في أصل حديث أخرجه، فيكون أصل الحديث صحيحا ولكنه وقع فيه حرف لا يثبت في إسناده أو متنه، ونبَّه على أن من زعم أن في الصحيح ما لا يصح بأصله فقوله شاذ بيقين.
وضرب له مثلا بحديث جمل جابر الذي ذكره البخاري في ستة وعشرين موضعا من كتابه، ثم جزم في كتاب الشروط بأن الاشتراط أكثر وأصح عنده، وبوَّب عليه: (إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان مسمى جاز) وإنما رجحه لأنه رواية الأكثر كما نبَّه عليه، وأشار به إلى تعليل رواية الإعارة مع أنـها في الصحيح.
وقد نبَّه الحافظ الكبير أبو العباس بن تيمية إلى هذا المعنى في كتاب (الرد على ابن المطهر) فذكر حديث (الصحيحين): (لا يزال يُلقى في النار وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه) وفي رواية: (فيضع قدمه عليها فتقول: قط قط، وينزوي بعضها إلى بعض – أي تقول: حسبي حسبي – وأما الجنة فيبقى فيها فضل، فينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضول الجنة).
قال ابن تيمية رحمه الله: (هكذا روي في الصحاح من غير وجه، ووقع في بعض طرق البخاري غلط قال فيه: «وأما النار فيبقى فيها فضل» والبخاري رواه في سائر المواضع على الصواب ليبين غلط هذا الراوي، كما جرت عادته بمثل ذلك إذا وقع من بعض الرواة غلط في لفظ، ذكر ألفاظ سائر الرواة التي يُعلم بـها الصواب، وما علمت وقع فيه غلط إلا وقد بين فيه الصواب، بخلاف مسلم فإنه وقع في صحيحه عدة أحاديث غلط أنكرها جماعة من الحفاظ على مسلم، والبخاري قد أنكر عليه بعض الناس تخريج أحاديث، لكن الصواب فيها مع البخاري، والذي أنكر على الشيخين أحاديث قليلة جداً، وأما سائر متونـهما فمما اتفق علماء المحدثين على صحتها وتصديقها وتلقيها بالقبول لا يستريبون في ذلك).
ومما يدل على هذا: ذِكْر البخاري حديث ابن عباس في نكاح ميمونة محرما، ومعارضته بحديث غيره كأبي رافع في نكاحها حلالا، ليبين به غلط حديث ابن عباس، وكذا أخرج حديث أسامة في أنه عليه الصلاة والسلام لم يصل في الكعبة، وذكر حديث بلال أنه صلى فيها لينبه على خطأ حديث أسامة.
وختم الشيخ المجلس بوصية الحاضرين على المواظبة بعد صلاة الفجر على قول: (اللهم إني أسألك علما نافعا وعملا صالحا ورزقا طيبا) كما هو السنة، وفي الجملة: هذا ما حضر في ذهني الساعة من مجلس الشيخ محمد عوامة الذي رأيت بركته ظاهرة فانحدرت في تعليق فوائده ووصفه في هذه المقالة اللطيفة، حفظ الله شيخنا الجليل وأمتع به المسلمين، والحمد لله رب العالمين، وصلواته وسلامه على نبينا وسيدنا محمد وآله وأصحابه أجمعين.


















اترك تعليقاً
يجب أن تكون مسجل الدخول لنشر التعليق.