بقلم: عبد الله نصر.
كما وعدتكم في المقال الماضي، أن أتبعه بمقالٍ أتحدث فيه عن المسكنات، موضحاً دورَها وأهميتها، مبيِّناً أضرارها والأعراض الجانبية التي تنشأ عن استخدامها، وموجِّهاً مجموعةً من النصائح حول استخدامها بالصورة المثلى التي تعود على صحتنا بالنفع مع أقل ضرر. بالله استعنَّا وعليه توكلنا.
لماذا أحتاج مسكن الألم؟
لا تكادُ تخلو حياة الواحدِ منا من آلامٍ جسدية يمر بها بين الحين والحين، فيحتملُ بعضها ويصبرُ على أذاه حتى يرحل، غيرَ أنَّ بعض الآلام يكونُ أشدَّ من أن يُحتمل، أو أن يحرمَ صاحبه النومَ مثلاً، فيترتَّبُ على ذلك أضرارٌ أخرى! لهذا أوجدت أدوية تسكين الألم. وهي من أكثر فئات الأدوية انتشاراً وتعاطياً بين الناس.
وتعمل هذه الأدوية على فقد الشعور بالألم الذي يصاحب بعض الأمراض أو الإصابات، كألم الأسنان، أو آلام العظام والعضلات، أو الأوجاع التي يحس بها المريضُ بعد إجراء عمليةٍ جراحية، وكذلك الصداع الذي يصاحب ارتفاع ضغط الدم مثلاً أو انخفاضه أو أي مشكلة صحية أخرى. أي أنها ليست علاجات للمرض في حد ذاته، وهي ليست تحمي الإنسان من مضاعفات الإصابات كالكسور أو الرضوض مثلاً؛ على أنّ أغلبها -فوق كونها مسكناتٍ للألم- لها خصائصُ مضادةٌ للالتهاب الذي يحدث نتيجة المرض أو الإصابة. وطريقة عملها بأنها تعترض التفاعل الكيميائي الذي ينشأُ عنه الإحساسُ بالألم، فتمنع تكون الموادِّ التي تكون مصدراً لهذا الألم الذي يتعب المريض ويضايقه.
كيف يعمل هذا المسكن؟
وعند التعمق في آلية إيقاف الشعور بالألم تظهر عندنا بعض الأعراض الجانبية التي تسببها هذه الأدوية، والتي تندرج تحت تصنيف (مضادات الالتهابات غير الستيرويدية) تختصر في الإنجليزية (NSAIDs). وعلى رأسها تهيج المعدة والقناة الهضمية، وذلك لأنها تمنع تكون إحدى المواد التي من دورها حماية الجدار الداخلي للمعدة، ومنع تقرحه. كما أن من مضاعفاتها تهيج الجهاز التنفسي؛ وذلك عند مَنْ يعاني من الربو أو حساسية الجهاز التنفسي المزمنة، لأن استخدام هذه المسكنات يسبب تكوُّنَ مادة مهيجةٍ للشعب الهوائية، تسبب في ضيق وصعوبة التنفس، وإحداث سعالٍ شديد، وقد يتكون بسببها الكثير من المخاط الذي يعيق تنفس المريض. كما أن لها كذلك أضراراً على من يعاني من قصور عمل الكلى، أو الكبد، ويُمنع أغلبها على النساء الحوامل والمَراضع، إلى جانب مرضى ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب.
غير أنَّ مختبرات صنع الأدوية سعت إلى تخفيف هذه الأعراض الجانبية عن طريق تطوير تركيبات دوائية، تؤدي المفعولَ المسكنَ نفسه، دون التسبب في مضاعفاتٍ تُضِرُّ بصحة المريض.
كيف أختار المسكن، وكيف أتناوله؟
لا شك أنَّ اختيار المسكن المناسب لحالة المريض، عائدٌ إلى الطبيب المعالج، وإلى الصيدلي بالدرجة الأولى، فالمسكنات تعدُّ من الفئة الدوائية OTC، والتي تعني أن بإمكان الصيدلي وصفها وإن لم يكن عند المريضِ وصفةٌ دوائية. ولكن هذا الأمرَ ليس سهلاً، ولا يتم عبثاً؛ بل على الصيدلي أوَّلاً أن يفهم من المريض ما هي الشكوى على وجه التحديد، وألا يستعجلَ في وصف المسكن معتبراً اختيار نوع ذي جودةٍ عالية فقط.
أضرب لكم مثالاً: يتوارد على الصيدليات -لا سيما في الأيام باردة الطقسِ- مرضىً يشتكون من آلام في العضلات، كعضلات الرقبة أو الظهر أو الكتف أو الذراعين أو غيرها، وقد يعبر المريضُ عن أنه يشعر بالألم في (عظامه)، فيبادرُ الصيدلي بصرف مسكن للعظام كـ Voltaren أو Brufen مثلاً، وهنا قد يخف الألم عن المريضِ مدةَ بقاء الدواء في جسده، ثم ما يلبثُ أن يعودَ الألم كما كان أو أشد، وحتى مع استمرار أخذه للدواء على مدى أيام، فما أن تنتهي علبة الدواء حتى يعاوده الألم. وكان الأحرى بالصيدلي أن يستفهم من المريض عن نوع الألم وعن الأوقات التي يزدادُ فيها والتي يخف فيها؛ فإن فعل، كان في هذه الحالةِ قد وصف له إلى جانب المسكن، علاجاً يبسط العضلات، ويعمل على إرخاء الشد العضلي الذي أصاب المريضَ بسبب البرد، أو بسبب مجهودٍ عضليٍّ أصاب عضلاته بهذا الشد.
كما أن من دور المريضِ أن يُعلِمَ طبيبَه أو الصيدلي بأي مرضٍ يعاني منه، حتى لا يعطيه مسكناً من تلك التي تسبب تضيق الشعب الهوائية، وذلك إذا كان المريض مصاباً بالربوBronchial Asthma. أو أن يسبب المسكن في ارتفاع ضغط الدم الذي قد يكون خطيراً في بعض الحالات إن كان المريضُ يعاني من اضطرابات في قياسات ضغط الدم عنده، وينطبق هذا على كل الفئات التي تتضرّرُ من استعمال المسكنات.
ولْيسأل الصيدلي المريضَ دائماً عن أي أمراضٍ يعاني منها المريض، ولا يعتمد على أن المريضَ سيتذكرُ ذلك وسيخبره دون أن يسأله ويتأكد من وضعه الصحي، فأمور كهذه قد تغيب عن المريضِ لا سيما إذا كان ألمه شديداً. ولْيوجِّهه كذلك إلى أن يتناول المسكِّنَ بعد تناول الطعام لا قبله؛ بل قد يحتاج المريض أحياناً إلى أدوية تخفض من حمض المعدة، يتناولها قبل هذا المسكن.
هل تجنُّب المسكنات دائماً يجعلني في صحة أفضل؟
وهذا سؤال قد يطرحه من قرأ الكلام السابق، فكلُّنا يرجو ألا يتعرض لهذه الأعراض الجانبية! والجواب بالطبع: لا؛ صحيحٌ أنَّ اجتناب تناول الأدوية عموماً يجنب المريض ما تؤول إليه من مضاعفات، وصحيح أن المريضَ إن استطاعَ احتمالَ الألم، ولم يكن الألم يسبب خطراً على صحته، فإن الأسلم ألا يتناولَ له دواءً مسكناً. ولكن المشكلةَ أن بعضَ الآلام قد يكون استمرارُها مؤدياً إلى أضرارٍ أكبر؛ فمثلاً قد يسبب ألم الأسنان الشديدُ أرقاً للمريض، ويحرمه نوم الليل كله أو أغلبه، وهذا الأرقُ إن استمر أياماً طويلةً، عادَ بالضرر على صحة الدماغ ووظائف الجسم كله، وكانَ يكفيه أن يأخذ له علاجاً مسكناً يريحه من الألم ويحفظ عليه صحة بدنه.
كذلك، وكما قلنا إن أغلب المسكنات هي مضادات للالتهابات، فقد يكون المريضُ يعاني من التهابٍ في العظام مثلاً إلى جانب شعوره بالألم، فيصف الطبيب له علاجاً مسكناً مضاداًّ لهذا الالتهاب؛ فيمتنع صاحبنا عن أخذ الدواء بحجة أنه يريد اجتناب المسكنات. فيتضاعف الالتهاب ويضر بصحته!
والخلاصة أنَّ المسكنات أدويةٌ نافعةٌ لها دورٌ أساسي في تعافي المريض من مرضه، وهي كسائر الأدوية لها أعراضٌ ومضاعفاتٌ جانبية تسببها إذا لم تُراعَ الإرشادات، ووصفها للمريضِ قد يكونُ ضرورةً لا ترَفاً ورفاهية. فالواجبُ مراعاةُ كل ذلك عند استعمال المسكنات.
حفظنا الله وإياكم من كل مرضٍ ووجع، ونسأله أن ينفعنا بما علمنا ويزيدنا علماً ويستخدمنا لِمَراضيه!
يتبعُ هذا المقالَ -إن شاء الله- مقالٌ آخرُ أتحدث فيه عن المكملات الغذائية ما يتعلقُ بحاجتنا إليها وفوائدها، وطريقة تناولها.. والله الموفق!


















اترك تعليقاً
يجب أن تكون مسجل الدخول لنشر التعليق.