بقلم: إبراهيم الزعيم.
قال تعالى متحدثا عن اليهود: “ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ” (آل عمران:112)، الملاحظ على هذه الآية، أنه ليس لليهود عزة ذاتية، فالعزة التي يعيشوها إما بحبل من الله، أو حبل من الناس، كما قال الشيخ محمد متولي الشعراوي -رحمه الله-.
وحبل الله هو: الإسلام، ويعضد هذا قول الله تعالى: “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا“، والإسلام يطبقه على الأرض الأنبياء وأتباعهم، والمعنى: أنه لما حكم المسلمون، وقامت دولة الإسلام في المدينة المنورة، أمنهم رسول الله ﷺ، فعاشوا حياة عزيزة، ضمنها لهم الإسلام، بموجب المعاهدة التي بينهم وبين المسلمين، فلما خانوا، نالتهم الذلة التي استحقوها.
أما حبل الناس فهو: الحلف الاستراتيجي بينهم وبين الدول، التي تجتهد في خدمتهم وتنفيذ مخططاتهم، كما هو الحال الآن.
أما لماذا حقت عليهم تلك الذلة؟ فيتضح من تمام الآية: “ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ”.
وإذا عدنا إلى العهود الغابرة، نجد أنه في عهد النبيين داود وسليمان -عليهما الصلاة والسلام-، كانت لليهود دولة موحدة، وبعد وفاة سيدنا سليمان -عليه الصلاة والسلام- انقسمت مملكته إلى دولتين متحاربتين غالبا، وعاشتا فسادا داخليا وضعفا عسكريا.
ثم كانت محاولة أحد قادة اليهود، وهو )جوزياس (لاستعادة الدولة الموحدة، وخاض معركة ضد الفراعنة، فهزم وقتل في المعركة، فانهار مشروعه السياسي، وهو مشروع الوحدة بين الدولتين، وأصبحت فلسطين مقاطعة تابعة لمصر، ثم لم يدم ذلك طويلا؛ إذ انتصر نبوخذ نصر على الفراعنة، وحكم فلسطين، وكان السبي البابلي، بعد أن انقطع حبلهم مع الناس، وهم الفراعنة في ذلك الوقت.
وبعد ولادة الحركة الصهيونية المسيحية في أوروبا، وإنهاء الخلافة العثمانية قبل نحو مائة عام، تفرقت كلمة المسلمين أكثر، وتشتت أمرهم، وعاد كثير منهم سيرتهم الأولى، من النزاع والشقاق والحروب، التي كانت في الجاهلية حتى أنهتها دعوة الإسلام بمقدم رسول الله ﷺ.
وعقب انفراط عقد المسلمين، دالت الدولة لحضارة المادة، فصالوا وجالوا في أوطاننا، وبمرور الوقت صرنا نفقد أوطاننا ومواردنا وهيبتنا، فلم يعد لنا من الأمر شيء، ليس هذا على صعيد العالم، بل في عقر دارنا، أما العالم فلم نعد له كما كنا سابقا: نبسط الرحمة، وننشر العلم والهدى، وننصر المظلوم، ونحمل الضعيف…
ويقدر الله تعالى، أن تكون معركة غزة، بعد 100 عام على إنهاء الخلافة، وما سبقها من تقاسم أراضي الأمة، ووعد بريطاني للصهيونية بأرض فلسطين؛ لتكون محطة فارقة في إقامة الوزن بالقسط، وهو وضع كل حضارة وفق نصابها الحقيقي: حضارة الأخلاق، وحضارة المادة، وحينها سترجح كفة حضارتنا، فتعود إلى قيادة العالم، في نظام عالمي متجدد؛ لأنه وإن كان في الحاضر، لكنه مرتبط بأصوله الممتدة منذ أكثر من 1400 عام، وليس كنظامهم العالمي المعجون باحتلال الأوطان ونهب خيراتها، وإهلاك الحرث والنسل.
وأريد أن أعود إلى سؤال: كيف يمكن أن ينتهي الاحتلال الإسرائيلي، والإجابة للدكتور عبد الوهاب المسيري: يوجد عنصران أساسيان يحافظان على وجود الاحتلال الإسرائيلي، هما: الدعم الأمريكي بلا حدود، والغياب العربي بلا حدود.
أما الغياب العربي فلا زال على حاله، أما الدعم الأمريكي ففيه كلام، ذلك أن تغيرا يطرأ على طبيعة العلاقة بين ترامب ونتنياهو، وبالطبع لن ينهي الدعم الأمريكي للاحتلال، ولن يؤدي إلى تغير استراتيجي في العلاقة، لكن ذلك التعارض في المواقف، قد يمنح مساحات للحراك الأوروبي.
لكن الحالة الشعبية المتنامية في أوروبا، تضامنا مع فلسطين، وبغضا للسياسات الإسرائيلية، أمر لم نشهده من قبل، بل وكان غير متوقع لنا جميعا، فنحن أهل غزة؛ ربما في غالبنا كنا نظن، أن يكون التأييد من عالمنا العربي والإسلامي، أما الاحتلال الإسرائيلي فلم يكن يتوقع تلك الحالة، من دول ترتبط معه حكوماتها باتفاقيات وتحالفات.
ثم ارتقى ذلك العداء، ليصل إلى مواقف وإجراءات من عديد حكومات أوروبا، تتمثل في منع تصدير السلاح، وفرض عقوبات اقتصادية، بعدما اتسعت الفجوة بين حكومات تلك الدول، وقطاعات واسعة من الرأي العام هناك، وهو ما يشكل ضغطا على الحكومات، وخشية انعكاس الحراك الجماهيري، على مستقبل الأحزاب والحكومات.
ودون تهويل أو تهوين، فإن الواقع يشير إلى تزايد تضامن الرأي العام الأوروبي، وسيخسر معه الاحتلال أرضا كان يعتبرها ملعبه لزمن طويل، سواء كان ذلك من رغبة حقيقة من حكومات غربية بمعارضة السياسات الإسرائيلية، أو رغما عنها (وليس لسواد عيون الشعب الفلسطيني)، وإنما تحت الضغط الشعبي. ولا ريب أن عنجهية الحكومة الإسرائيلية، ستزيد هذه الفجوة بينها وبين العالم.
وعليه؛ عندما تتعارض مصالح الاحتلال الإسرائيلي من جهة، وداعميه من الولايات المتحدة وأوروبا وغيرهم من جهة أخرى، ويكون ذلك الدعم خطرا على وجود المؤيدين للاحتلال وسياساته، فإنهم سيؤثرون وجودهم على وجوده، وسينقطع حبلهم مع الناس، وحين ينسجم ذلك مع تغيير أنظمة عربية محيطة لفلسطين، وصعود قوى معارضة للاحتلال، فذلك يعني انقلاب في موازين المعركة لصالح فلسطين، ولا أظن ذلك بعيدا، لكنه لا يعني أياما أو أسابيع.
ولقد كانت كلمة السر، في تباين مواقف الشعوب الغربية وأنظمتها، هو: الثبات العظيم للشعب الفلسطيني، فهذا الصمود العجيب، أسهم في بطلان دعوى الاحتلال الإسرائيلي؛ إذ لو كانت الصهيونية على حق، فلم يصمد الشعب الفلسطيني ذلك الصمود، وهم يواجهون القتل والاعتقال والتشريد والتجويع؟
وهذا سؤال ولا ريب دار في أذهان الناس جميعا وجرى على ألسنتهم: عربا وعجما، مسلمين وغير مسلمين، كبارا وصغارا، علماء وعمال وصناع… وتوصلوا إلى نتيجة أن المرء لا يقابل هذا الإجرام بهذه البسالة إلا عن حق. وهي النتيجة ذاتها التي توصلت لها قبائل العرب، حين عرض عليها إجرام قريش وشجاعة أصحاب رسول الله ﷺ، فكان ذلك سببا أن يؤول الأمر إليهم، ونحسب ذلك متحقق لنا؛ لأن وعد الله لا يتغير ولا يتبدل.

















اترك تعليقاً
يجب أن تكون مسجل الدخول لنشر التعليق.