بقلم: فرج المجبري.
لم تعد ليبيا مجرد ساحة متأثرة بالاضطرابات الإقليمية، بل باتت – بحكم موقعها الجغرافي الهش – عقدة لوجستية ضمن صراعات عابرة للحدود، أبرزها الحرب الدائرة في السودان. الإمارات، عبر تحالفها مع اللواء المتقاعد خليفة حفتر بجنوب ليبيا، استخدمت مطار الكفرة في جنوب شرق ليبيا كنقطة محورية لإمداد قوات الدعم السريع (RSF) بالسلاح والوقود والمرتزقة، وفقًا لتقارير الأمم المتحدة وتحليل وكالة رويترز للصور الجوية وبيانات تتبع الرحلات.
الـRSF، التي تطورت من ميليشيا “جنجاويد” الموالية للحكومة السودانية قبل عقدين لقمع دارفور، دخلت في صراع مسلح مع الجيش السوداني منذ أبريل 2023، بعد خلاف حول دمج القوات النظامية. الحرب أودت بعشرات الآلاف، وشردت ملايين المواطنين، وأشاعت المجاعة في مناطق واسعة من السودان.
الكفرة: نقطة محور لوجستي إقليمي
وفق تقرير رويترز، لعبت الشحنات العسكرية المرسلة عبر مطار الكفرة، الواقع على بعد نحو 300 كلم من الحدود السودانية، دورًا حاسمًا في دعم RSF بعد استعادة الجيش السوداني للخرطوم في مارس، ومهدت لسيطرة RSF الوحشية على مدينة الفاشر في أكتوبر، ما عزز قبضتها على دارفور ومهد لسلسلة انتصارات جنوب السودان.
تظهر الصور الجوية وبيانات تتبع الرحلات أن ما لا يقل عن 105 رحلات شحن جوية هبطت في الكفرة بين 1 أبريل و1 نوفمبر 2025، غالبها مرتبط بالدعم الإماراتي لقوات RSF. شركات الطيران المشاركة، مثل Sapsan Airlines وFlySky، سبق اتهامها بتهريب أسلحة للإمارات في ليبيا، وفقًا لتقارير الأمم المتحدة لعام 2022.
الإمارات تمتلك أيضًا مصالح اقتصادية في السودان، بما في ذلك استثمارات في الموانئ الساحلية والأراضي الزراعية، ولها صلات وثيقة بقائد RSF، محمد حمدان دقلو “حميدتي”، الذي أرسل آلاف الجنود للقتال في اليمن لصالح الإمارات.
شبكة الإمداد الجوية والبرية
مطار الكفرة كان شبه مهجور قبل 2025، لكنه شهد عمليات ترميم واسعة وإضافة بنية تحتية حديثة، بما في ذلك واجهات جديدة ومساحات خضراء، وفق صور الأقمار الصناعية. الرحلات الجوية المكثفة لم تكن مجرد شحنات أسلحة، بل تضمنت نقل عناصر بشرية: مرتزقة، قوات مدربة، ومعدات لوجستية حاسمة.
مسارات أخرى تربط الإمارات بالصومال وتشاد وتنتهي بالجنوب الليبي، ما يجعل ليبيا جزءًا من شبكة واسعة للإمدادات العسكرية العابرة للحدود، وتضع البلاد تحت تأثير مباشر لمخططات خارجية لا تهتم بسيادتها الوطنية.
الدور الإماراتي والتحالفات الإقليمية
التحالف الإماراتي مع بعض قادة مليشيات اللواء المتقاعد خليفة حفتر سمح باستخدام الجنوب الليبي كمنصة لوجستية خارج سيطرة الدولة الليبية الرسمية، مع توظيف القوة العسكرية في السودان لصالح سياسات خارجية إماراتية، بموافقة ضمنية من إسرائيل كموجه استراتيجي.
هذا الدور يظهر كجزء من صراع أوسع بين محور تركيا وقطر والسعودية، الذي يسعى إلى منع انفجار الأزمات الإقليمية، ومحور الإمارات–إسرائيل الذي يراهن على إدارة الفوضى وتحويل النزاعات إلى أدوات نفوذ طويلة المدى.
القاهرة، في هذا السياق، تواجه ارتباكًا استراتيجيًا شديدًا، إذ أصبح القرار الأمريكي مقسمًا داخليًا بين لوبيات المال والنفوذ، واللوبي الإسرائيلي المدعوم إماراتيًا هو الأكثر تأثيرًا على ملفات السودان وليبيا والقرن الإفريقي، ما يزيد من صعوبة تموضع مصر في المشهد.
المخاطر على ليبيا والأمن الإقليمي
استمرار استخدام الأراضي الليبية كنقطة عبور لإمدادات الحرب يعرض البلاد لتهديدات هائلة: فقدان السيطرة الأمنية، تمكين الجماعات المسلحة، وربط الجنوب الليبي مباشرة بالحرب في السودان. كما أن صمت طرابلس والنخب الليبية يزيد من كلفة هذه الأزمة على الدولة والمواطنين، وسيكون دفع الفواتير المستقبلية باهظًا إذا لم تتحرك السلطات بسرعة لوقف هذا التورط.
الحريق الذي تشنّه الإمارات لن يضر بليبيا وحدها؛ فالقرن الإفريقي، البحر الأحمر، وشمال إفريقيا مهددة بالفوضى والانشطار، نتيجة الدور الإماراتي كمقاول لإسرائيل ومنفذ لسياساتها في المنطقة. هذا الوضع يهدد الاستقرار الإقليمي بأسره، ويجعل التحرك السريع والإرادة السياسية الحاسمة في طرابلس أمرًا حيويًا لمنع تداعيات كارثية على الأمن الإقليمي، وحدود الدول المجاورة.
خاتمة
ليبيا اليوم ليست مجرد ساحة نزاع، بل مركز لوجستي لمشاريع خارجية تفتك بالمنطقة. الصمت أو التردد في اتخاذ موقف وطني واضح سيجعل البلاد أكثر هشاشة أمام مخططات الإمارات وإسرائيل، ويحول الجنوب الليبي إلى منصة مستمرة لتدمير استقرار المنطقة.
في السياسة والجغرافيا، من لا يحدد موقعه… يُدرج في خرائط الآخرين.
والسؤال الحقيقي الآن: هل ستستيقظ طرابلس ونخبها قبل فوات الأوان؟

















اترك تعليقاً
يجب أن تكون مسجل الدخول لنشر التعليق.