728 x 90

تطورات نهاية 2025 وتأثيراتها المحتملة

تطورات نهاية 2025 وتأثيراتها المحتملة

بقلم: عبد الله الكبير.

 

قبل أن يطوي عام 2025 آخر أيامه وساعاته ويرحل وقع حادثان سيكون لهما تأثير عميق على الأزمة السياسية الليبية، كلاهما وقع خارج البلاد، ما يؤكد الارتباط الوثيق للخارج بما يجري في الداخل من تدافع سياسي وتفاعلات وتطورات، فأحداث النهايات في مرحلة ما هي ما تحدد مسارات البدايات الجديدة في المرحلة اللاحقة.

الحادث الأول هو سقوط مفاجئ لطائرة على متنها ضباط من الجيش الليبي يتقدمهم رئيس الأركان محمد الحداد، مع رئيس أركان القوات البرية الفيتوري غريبيل، ومدير جهاز التصنيع العسكري محمود القطيوي، مع مستشار رئيس الأركان محمد العصاوي، والإعلامي والمصور محمد المحجوب. ذهبت أغلب المؤشرات الأولية إلى وجود خلل كهربائي أو فني تسبب في سقوط الطائرة، وكانت هي الفرضية الأرجح قبل أن يتوصل فريق التحقيق إلى مؤشرات جديدة، وإن كانت ضعيفة، على احتمال وجود سبب خارجي كان وراء الكارثة، ومازالت التحقيقات جارية وتحتاج إلى وقت حتى تستكمل، لنعرف إن كان الحادث مدبر من طرف ثالث لديه أهداف من وراء ارتكاب هذه الجريمة، وباعتذار ألمانيا عن التعاون في التحقيقات بالفحص التقني لمحتويات الصندوق الأسود، تعززت فرضية استهداف الطائرة وتراجعت فرضية الحادث العرضي بسبب الخلل الفني، لأن السبب الذي عللت به السلطات الألمانية اعتذارها لم يكن مقنعا، فهي دولة متقدمة على كل المستويات، يستحيل أن تعجز عن قراءة محتويات الصندوق الأسود للطائرة، ولكن يرجح أن الحسابات السياسية دفعت ألمانيا إلى الخيار الأفضل لها وهو الانسحاب بحجة عدم توفر الإمكانيات الفنية لتحليل محتويات الصندوق.

لألمانيا علاقات وطيدة مع تركيا، وربما هي الدولة الوحيدة في أوربا التي لم تقف ضد حصول تركيا على عضوية الاتحاد الأوربي، ومع ذلك فضلت ألمانيا الابتعاد عن هذا الملف الذي قد يعرضها لإحراج لا تريده ولا ترغب فيه قطعا.

ليس انسياقا وراء نظريات المؤامرة، ولكن من الممكن افتراض أن طرفا ثالثا كان وراء إسقاط الطائرة، وقد أقرت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية التركية هذا الافتراض وبدأت البحث، لم يكن الهدف رئيس أركان الجيش الليبي ورفاقه، وإنما كانت تركيا هي المستهدفة، وبشكل أدق علاقات تركيا المتينة مع الغرب الليبي، وهذا الاغتيال هو رسالة لأنقرة تدشن بداية المنازلة الفعلية حول منطقة شرق المتوسط الاقتصادية، فالمسوغ الوحيد لتركيا لتحصل على حصتها من ثروات الغاز والنفط، وتنزل ضيفا ثقيلا على اليونان وقبرص وكيان الاحتلال، هي مذكرة التفاهم مع حكومة طرابلس حول الحدود البحرية بين الجانبين، وقد رفضتها اليونان فور إعلانها وسعت عبر التواصل مع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح إلى إبطالها.

قبل حادثة الطائرة بأيام قليلة مدد البرلمان التركي لقواته في ليبيا عامين إضافيين، وعقد رؤساء حكومات كيان الاحتلال واليونان وقبرص الرومية اجتماعا في القدس بفلسطين المحتلة، حملت رسالته الرئيسية ما يشير إلى تشكيل تكتل سياسي وعسكري في مواجهة تركيا لإقصائها عن المنطقة الاقتصادية، وبالنظر إلى العلاقة التي تربط ألمانيا بكيان الاحتلال، والضعف الألماني الواضح إزاء سياسة الابتزاز التي يمارسها ضد ألمانيا، لا يستبعد احتمال تورط كيان الاحتلال في إسقاط الطائرة لدق أول إسفين في العلاقات الليبية التركية، والشروع في العمل من إخراج تركيا من ليبيا، و تجنبا لأي حرج مع كيان الاحتلال المتورط أصلا في جرائم الإبادة في غزة، نأت ألمانيا بنفسها عن المشاركة في تحقيقات سقوط الطائرة بالاعتذار عن فحص صندوقها الأسود.

الحادث الآخر هو التدخل العسكري السعودي المباشر بقصف شحنة عسكرية أرسلتها الإمارات للانفصاليين في جنوب اليمن، فور تفريغ الشحنة في ميناء المكلا، ما يعني عمليا تفكك تحالف امتد لسنوات بين السعودية والإمارات، مع احتمالات قوية بالتصعيد المسلح عبر وكلاء الطرفين في اليمن، فأمريكا لن تسمح بأي صدام عسكري مباشر بين حليفين مهمين لها، ولن تجدي وساطات التهدئة التي تقودها بلدان الخليج الأخرى، فالخطاب الرسمي والإعلامي السعودي والردود الإماراتية عليه لا تشي بأي بصيص أمل نحو التهدئة، لأن المشروع الإماراتي المتطابق مع أجندة كيان الاحتلال يهدد الأمن القومي للسعودية وكذلك مصر فضلا عن بقية البلدان العربية، ولا تبدو الإمارات أنها ستنكص أو تتراجع عن دعم مشاريعها التخريبية في المنطقة، ولا يمكن للسلطة السعودية بعد هذا الصبر الطويل أن تتهاون في حماية أمنها القومي.

 ما يهمنا في هذا التطور الحاد هو انعكاسه على الأزمة الليبية، فكل أطراف الأزمة تربطهم بالإمارات علاقات جيدة، ويدين بعضهم لها بالدعم المالي والعسكري السخي، والمساندة الدبلوماسية في الدوائر السياسية الدولية، ولكن هذا التحول السعودي في الموقف من التدخل الإماراتي في اليمن، والذي يتوقع أن يغير في مواقف مصر أيضا، لأن أمنها القومي مهدد بالنشاط الإماراتي في السودان وأثيوبيا وأرض الصومال، سيمتد إلى بؤر أخرى أسهمت الإمارات في التهابها مثل السودان، سيضع الأطراف الليبية المرتبطة بالإمارات في مأزق صعب، لأن الثقل والدور الذي تمثله السعودية في المنطقة، وقدراتها العسكرية والمالية وحجمها السكاني أكبر بكثير من حجم الإمارات، ومن ثم قد يجبر حلفاء الإمارات في شرق ليبيا على التخلي عن أدوارهم في حرب السودان، والتوجه مع بقية الأطراف نحو تسوية سياسية مقبولة تنهي النزاع، في إطار توجه شامل في المنطقة يحد من تغذية الإمارات للنزاعات في الدول العربية، ويكسر الطوق الصهيوني الذي تعمل الإمارات على مده في اليمن وأرض الصومال والسودان وليبيا حول السعودية ومصر باعتبارهما القوتين الأكبر في المحيط الذي ترسم فيه استراتيجياتها الأمنية.

إقرأ أيضًا

اترك تعليقاً

يجب أن تكون مسجل الدخول لنشر التعليق.