بقلم: أ. محمد إلهامي.
أولا: الفارق بين التاريخ والحضارة
ارتبط في الحالة العلمية المعاصرة لفظ «التاريخ» بلفظ «الحضارة»، والغالب في الاستعمال العلمي لهذيْن اللفظيْن أن التاريخ يُقصد به الحوادث الماضية كلها بما فيها من الخير والشر والنهوض والسقوط والدماء والسلام، بينما يغلب استعمال لفظ الحضارة للتعبير عن المنجزات المادية والثقافية من العلوم والفنون والعمران والنظم ونحو ذلك. وقد يختلط استعمال كل لفظ منهما ليدل على المعنى الآخر بحسب السياق، وهذا الخلط قريب في ثقافتنا الإسلامية من لفظي «الإسلام» و«الإيمان»، فهما حين يجتمعان في عبارة واحدة يدلُّ كل منهما على معنى مستقل، وأما استعمال اللفظ الواحد منهما فيدل عادة على معناه ومعنى اللفظ الآخر، ولذا قيل: إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا، بمعنى أنهما إذا اجتمعا في العبارة افترقا في المعنى والدلالة، وإذا افترقا في العبارة اجتمعا في المعنى والدلالة.
وأصل كلمة «الحضارة» في اللغة العربية وفي اللغات الأوروبية بمعنى: الإقامة في الحضر الذي هو فوق البادية أو فوق الريف([1])، ولكن وقع الاختلاف بين المؤرخين والفلاسفة في الاستعمال الاصطلاحي للكلمة، فبعضهم يرى أن «الحضارة» هي النشاط المادي العمراني([2]).
وبعض أولئك يُفَضِّل لفظ «الثقافة» للتعبير عن النشاط الروحي والفكري([3]).
وبعضهم يرى أن لفظ «الحضارة» إنما يعني أصالةً: الثقافة والنشاط الفكري والروحي([4])، وبعضهم يرى أن لفظ «الحضارة» يشمل المعنييْن معا، إذ النشاط المادي لا بد حتما أن يصدر عن منظومة فكرية ويكون ثمرة لنشاط ثقافي كما أن مجرد النشاط الفكري الثقافي الذي لم يصدر عنه نشاط وإنتاج مادي لا يُمكن أن يُطلق عليه «حضارة»، فكم وُجِد بشرٌ من غير حضارة بينما لم يوجد بشر من غير فكر وثقافة أبدا([5]).
ولن يهمنا كثيرا متابعة هذا الخلاف والدخول فيه، أو تحريره، ولكن من المفيد أن نشير إلى أمريْن:
- تعريف الحضارة واستعماله هو جزء من فكر المؤرخ أو الفيلسوف، فمنهم من انحاز إلى تعريفها كرؤية وتصور وثقافة وفكر، ومنهم من انحاز إلى تصورها كإنجازات مادية ملموسة كمخترعات وعلوم وفنون وعمارة، ومنهم من حاول التوفيق بين المعنيين أو التوسط بينهما، ومن هنا فمن المهم، لدى قراءة كتاب في التاريخ والحضارة، فَهْمُ انحياز مؤلفه ليُدرك فهم مقصوده([6]).
- الغلبة المعاصرة للغرب وتفوقه، جعل لفظ الحضارة يغلب عليه معنى الإنجاز والنشاط المادي والعمراني والتفوق التقني والترف والرفاهية والنظام، ولذلك فإنني أميل إلى التفريق بينهما، وأتابع في هذا المفكر المسلم والرئيس المجاهد علي عزت بيجوفيتش في كتاب المهم «الإسلام بين الشرق والغرب» حيث يقول: «الثقافة هي تأثير الدين على الإنسان أو تأثير الإنسان على نفسه، بينما الحضارة هي تأثير الذكاء على الطبيعة أو العالم الخارجي»، الثقافة معناها «الفن الذي يكون به الإنسان إنسانًا»، أما الحضارة فتعني «فن العمل والسيطرة وصناعة الأشياء صناعة دقيقة»، الثقافة هي التجدد «المستمر للذات»، أما الحضارة، فهي «التغيير المستمر للعالم»([7]). وهذا المَيْل الذي أفضِّله للتفريق ليس تحريرا علميا للمسألة وإنما هو ضرورة عملية لكي تتضح المعاني التي يقصدها الخطيب أو الكاتب فلا تختلط بغيرها.
ثانيا: علاقة التاريخ ببقية العلوم الإنسانية
تفرد المؤلفات الخاصة بعلم التاريخ عنوانا لنقاش «علاقة التاريخ ببقية العلوم الإنسانية»، وهو أيضا من الأمور التي يغلب عليها النقاش النظري بينما فائدتها العملية قليلة، فهو موضوع دراسي تصنيفي أكثر منه موضوعا عَمَليًّا، وقد تضخَّم هذا الموضوعُ لأن مسيرةَ علمِ التاريخِ في الغرب تعرضت لنزاعات تصنيفية ومعارك في الفصل بين التخصصات وحدودها والتكامل فيها، وكثر السجال في اختلاف العلوم ومناهجها وأدواتها وأي منها فرع عن الآخر، وأيها أجدر وأقدر على دراسة الظاهرة المعينة.. إلخ([8])!
ولأن الموضوع يغلب عليه الجانب النظري، فلن نفعل هنا أكثر من الإشارة العابرة ليكون القارئ على وعي بصورته العامة.
لهذا الموضوع أكثر من زاوية، كالآتي:
- يرى أهل التاريخ أن التاريخ هو أبو العلوم، وأنه «لا شيء يتعالى على نظر التاريخ أو تضيق عنه رحابه، وكل ما يقع من الإنسان أو يقع عليه فهو ضمن اختصاص المؤرخ»([9])، وذلك أن التاريخ يدرس الماضي، ويدرس التطور إلى الحاضر، ومن ثَمَّ فكل علم هو قصة تطور، فلكل علم تاريخ، فللتاريخ نوعُ هيمنةٍ واتساعٍ ليشمل سائر العلوم، فإنه يصح أن يقال: تاريخ علم الفلك، تاريخ الطب، تاريخ الهندسة.. ولا يصح أن يقال: طب التاريخ وفلك التاريخ وهندسة التاريخ.. إلخ! وحتى الفنون لها تاريخ، فيُقال: تاريخ الغناء وتاريخ الموسيقى وتاريخ النحت وتاريخ الرسم. ومهما كانت المجالات مختلفة وواسعة فإن دراسة تاريخها يرتد إلى أسس واحدة، ولا يعني تنوعها واتساعها انفلاتها عن هذه الأسس والقواعد المنهجية التاريخية.
- يحتاج أهل كل علم أو فن في تخصصهم إلى نوعٍ من الاستيعاب للتطور التاريخي لهذا العلم أو الفن، فهي من ضرورات التطوير، وبها تُعرف مراحل نمو هذا العلم، ومسائله التي لم تزل غير مكتشفة، وأقدار الرجال الذين كان لهم الفضل في تطويره واكتشاف غوامضه وحل معضلاته، وطرائقهم في التوصل إلى هذه الحلول، وهذه الأمور تشدّهم شدًّا إلى ساحة التاريخ.
- لم تعد الدراسات التاريخية مقتصرة على المؤرخين وحدهم، لقد صار للفلاسفة وعلماء الاقتصاد والاجتماع والتربية والنفس وغيرهم نظريات ورؤى لا بد من اختبارها في معمل التاريخ، فلأجل هذا خاض كلٌّ منهم في مجال البحث التاريخي لرصد الظواهر التي تتعلق بهذه البحوث والنظريات. إذ إن من ضرورات إثبات صحة النظرية في علم من هذه العلوم، أن تثبت صحتها وتكررها في هذا التاريخ الذي هو سجل التجارب البشرية. وهنا وقع نزاع بين المؤرخين وبين علماء هذه المجالات حول حدود الفصل بين عمل كل منهما. فمثلا: لقد رأى رائد علم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم بأن وظيفة المؤرخ تقتصر على جمع الرحيق وأن عالم الاجتماع هو الذي سيحيله عسلا، وإذا أراد المؤرخ أن يفعل ذلك فقد خرج عن التاريخ ودخل في ساحة علم الاجتماع([10])، ولا حاجة للتذكير بأن هذا الأمر مرفوض تماما لدى جمهرة المؤرخين([11])، كيف لا وهم يرون التاريخ «بداية ولباب كل فلسفة سليمة»([12]).
- ومن جانب آخر، أدَّى هذا النمو والثراء الكبير في العلوم الإنسانية كالفلسفة والاقتصاد والتربية والاجتماع والنفس وغيرها، إلى أن أدرك المؤرخون مدى العمق والتعقيد والتركيب المحيط بالظاهرة الإنسانية، بل حتى علوم الجغرافيا والمناخ والجيولوجيا وما إلى ذلك من المجالات التي هي أقرب إلى العلوم البحتة بلغت من التطور والعمق والثراء ما جعل لها قولا مؤثرا في تفسير التاريخ وتعليل حركة الإنسان فيه. ومن ثَمَّ فقد احتاج المؤرخون –الذين يحدوهم الأمل دائما إلى إعادة إنتاج الماضي كما كان أو أقرب ما يكون إلى ما كان- إلى الاطلاع على هذه الأمور كلها، عساها تزيد الظواهر التاريخية والأحداث التاريخية وضوحا وتزيدهم فيها بصيرة([13]).
- وذهبت الحلول الواقعية في المدارس العلمية والمعاهد والجامعات إلى أن ازدادت ساحة التاريخ فروعا مثل: التاريخ الاقتصادي، التاريخ الاجتماعي، تاريخ الأفكار.. إلخ! وازدادت ساحة العلوم الاجتماعية فروعا تنصب على دراسة تاريخها والتواريخ المتصلة بها، وازدادت مع الكل جهود التكامل والبحث عن تركيب الصورة المعقدة والمعمقة للظواهر الإنسانية. وصار معتادًا أن يشير المؤرخ إلى ما لديه من الخبرة والاطلاع على مجالات أخرى تُمَكِّنه من فهم أفضل لمسار التاريخ، بما في ذلك العلوم التي تبدو بعيدة جدا كالفلك مثلا وحفريات الكائنات المنقرضة([14])!
وليست هذه الظاهرة، ظاهرة الفصل والتخصص والدمج والتكامل بين العلوم، مما تستأثر به المجالات النظرية والإنسانية، بل هي كذلك في المجالات البحتة، فقد احتاج الأطباء وهم يفحصون الجسد إلى أن يكونوا على دراية بالكيمياء وعناصر المواد ونواتج تفاعلاتها، وعلى دراية بالفيزياء وحركة السوائل والموائع.. وهكذا. فأصل ذلك كله أن الإنسان كائن واحدٌ، وأن سائر هذه العلوم تعمل فيه معًا، وهو يصدر عنها كلها معًا، ولكن الإنسان في نفس الوقت أقل علما وأقل عقلا وأقل عمرا من أن يستوعب كل هذه العلوم الواسعة معا، فصار لا بد من التخصص، ثم لا بد من التخصص الدقيق، ثم لا بد من التكامل مع تخصصات أخرى، ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِيلٗا ٨٥﴾ [الإسراء: 85].
([1]) ابن منظور، لسان العرب، 4/196؛ Oxford Dictionary: civis, civilization.
([2]) انظر: ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، 1/461؛ فرناندو بروديل، تاريخ وقواعد الحضارات، ص6.
([3]) وأصحاب هذا الفصل بين الكلمتين والمعنييْن هم الفلاسفة الألمان. فرناندو بروديل، تاريخ وقواعد الحضارات، ترجمة وتعليق: د. حسين شريف، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1999م)، ص5 وما بعدها. وعموما فالمدرسة الفلسفية الألمانية أقل مادية وأكثر إنسانية من بقية المدارس الفلسفية الغربية، ويشتهر في حقل الفلسفة مدرسة فرانكفورات كمدرسة مناقضة للمادية الغربية، وهذا يفسر بعضا من التمايز بين ألمانيا وبقية الأوروبيين.
([4]) انظر: محمود شاكر، «هذه هي الساعة»، مجلة الرسالة، العدد 366، بتاريخ 8/ 7/1940م؛ Christopher Dawson, The Dynamics Of World History, (New York: Sheed & Ward, 1965), p. 402; Fernand Braudel, On History, (Chicago: University of Chicago Press, 1982), p. 202.
([5]) انظر: مالك بن نبي، القضايا الكبرى، ط1 (بيروت – دمشق: دار الفكر المعاصر – دار الفكر، 1991م)، ص43؛ حسين مؤنس، الحضارة: دراسة في أصول وعوامل تطورها وقيامها، سلسلة عالم المعرفة 1 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة، 1987م)، ص13؛ Oswald Spengler, The Decline of the West, (Oxford: Oxford University Press, 1991) p. 24.
([6]) للمزيد، محمد إلهامي، نحو تأصيل إسلامي لعلم الاستغراب، ص314 وما بعدها.
([7]) علي عزت بيجوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ترجمة: د. محمد يوسف عدس، ط1 (القاهرة: دار الجامعات، 1997م)، ص94، 95.
([8]) فلو شئنا أن نقول: إن أصل هذا النقاش هو مشكلة غربية ناتجة عن النزعة العلمانية المادية، وعن النزعة الدولتية المدرسية التصنيفية الحديثة، لما كان ذلك مبالغة.. فإننا لا نعرف أن وقع مثل هذا السجال والتنازع في حضارتنا الإسلامية.
([9]) هرنشو، علم التاريخ، ص176، 177.
([10]) وجيه كوثراني، تاريخ التاريخ، ص201.
([11]) حسين مؤنس، التاريخ والمؤرخون، ص44؛ ديفيد كانادين، ما التاريخ الآن؟، ترجمة: د. قاسم عبده قاسم، ط1 (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2006م)، ص12 (مقدمة المترجم).
([12]) هربرت ج ويلز، معالم تاريخ الإنسانية، ترجمة: عبد العزيز توفيق جاويد، ط4 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994م)، 3/829.
([13]) انظر: وجيه كوثراني، تاريخ التاريخ، ص200 وما بعدها.
([14]) انظر مثلا: إيان موريس، لماذا يهيمن الغرب؟: أنماط التاريخ وما تكشفه لنا عن المستقبل، ترجمة: روان القصاص، ط1 (بيروت: مركز نماء للبحوث، 2018م)، ص40 وما بعدها.


















اترك تعليقاً
يجب أن تكون مسجل الدخول لنشر التعليق.