بقلم: أ. محمد إلهامي.
يقول بعض الناس إن التاريخ هو العيش في الماضي، وإن الواقع قد تجاوز التاريخ في أمور كثيرة، وإن التطورات المعاصرة قد شهدت قفزات شاملة في سائر المجالات والمستويات حتى لم يعد يصلح لها القياس على الماضي!
ومن عجبٍ أن مثل هذا القائل يكون في العادة مما لا علم له بالتاريخ ولا بالواقع، وقد رأيت بعض هؤلاء وقد طوَّحت به الدنيا في مسالكها ومساربها، حتى فقد الهداية كلها، وقد كان يظن عقله كافيا لفهم الواقع وتبين الحل فيه، وكان يلوموني على الاهتمام بالتاريخ كل هذا الاهتمام، وهو الآن قد انحرف وبلغ في الضلال مبلغا بعيدا، أسأل الله أن ينعم عليه بالهداية والعودة.
وكلام مثل هذا يكفي في تكذيبه ما ينفقه العالم الغربي نفسه على دراسة التاريخ، والعناية به، يشهد بذلك ما هم عليه من غزارة الإنتاج وتنوعه وكثرة الاتجاهات في فهم التاريخ ودراسته، ومحاولات عدة لتثويره وتقليبه والتنقيب فيه.
إن فوائد التاريخ جمة غزيرة، غير أن محاولة تعديدها وتصنيفها هي عمل اجتهادي يختلف فيه المؤلفون، وحيث نحن الآن لسنا في حديث متخصص، فالخلاصة أن فوائد التاريخ تدور حول أمرين:
الأول: فهم السنن التي تسير بها الحياة والتي تعبر عنها طبائع الإنسان والاجتماع ومسار صعود الأمم وهبوطها وظروف قيام الحضارات وسقوطها وما إلى ذلك.
الثاني: ما يترتب على هذا الفهم من العمل، وهو ما يُعبَّر عنه بمعاني الاعتبار والاقتداء والاستفادة من التاريخ وشخصياته المؤثرة.
وثمة أمرٌ ثالثٌ ينبع في حقيقته من الأول، وهو أن قارئ التاريخ يستخلص منه نظريةً يُفَسِّر بها التاريخ، ويفهم بها سنن حركته، وهذا ما ينبغي أن يحصل له بعد قراءة واسعة، لكن الواقع أن كثيرا من أصحاب النظريات يُطلقها ويتبناها دون أن يحصل له الاستقصاء اللازم والإحاطة الكافية بالتاريخ التي تؤهله لإطلاق نظريته، فهنا يعمل صاحب النظرية على الاحتجاج لها بالتاريخ، فيُوظِّف التاريخ لإثبات نظريته، وهذا الواقع ترتب عليه نتيجتان كبيرتان:
- اشتداد الخلاف بين المؤرخين والفلاسفة، فالفلاسفة يطلقون النظرية العامة التي تفسر الحياة، ويستدلون عليها بأحداث تاريخية، لكن المؤرخين الذي يهمهم التدقيق والتمحيص كثيرا ما يكتشفون ثغرات تاريخية في النظرية، يمكن أن تكون هذه الثغرات إغفال حوادث مؤثرة، أو خلط في ترتيب الحوادث بتقديم ما وقع متأخرا وتأخير ما وقع قديما، أو ضعف في استيعاب الفترة التاريخية أو غير ذلك. فيدفعهم هذا للطعن في النظرية التي بُنِيَت على جهل وعلى غير أساس متين، بل رأى بعضهم أن الفلاسفة «يتحدثون عن التاريخ الذي لم يحدث أبدا»([1]). بينما يرى الفلاسفة أن هذه من تشددات المؤرخين وحَرْفِيَتهم وظاهريتهم وقِصَر نظرهم وتمسكهم بالتفاصيل التافهة([2])، وأن المؤرخين يخافون من «فلسفة التاريخ» كما يخافون من «العفريت الأسود» لأنه يزاحمهم على ما بأيديهم([3]).
- ظهور ما يسمَّى «القراءة الأيديولوجية للتاريخ»، وهذا مصطلحٌ في الذمّ ويُقصد به الانتقاص، وهو بمعنى: القراءة المتحيزة المُغرضة، وذلك أن يكون لدى المؤرخ أو الباحث فكرة مسبقة وقناعة قائمة، وإنما هو يبحث في التاريخ لتوكيدها وتعزيزها وليس لفحصها واختبارها، فهو يقرأ ويكتب بغرض الانتصار لها والردّ على خصومها. لكن واقع الحال في الدراسات التاريخية يُفَرِّق بين نهجيْن: فإذا كان المؤرخ قد أخرج بحثه الذي كتبه في ضوء قناعته هذه فظهرت فيه العيوب المنهجية من قلة الاستقصاء والاختزال والتعميم والقفز إلى النتائج ونحو ذلك فهذه «قراءة أيديولوجية متحيزة» مذمومة مثيرة للانتقادات والطعن، وأما إن سَلِمت بحوثه من هذه العيوب المنهجية العلمية فلا يُعَدَّ ذلك عيبا، بل إن الكثير من الدراسات التاريخية في الغرب تجعل الفصلَ الأولَ منها للتصريح بأن هذه الدراسة تعتمد على أفكار الفيلسوف الفلاني أو أفكار المدرسة الفلانية في الفلسفة، فهي إذن قراءة تاريخية تسترشد بنظرية في تفسير الوقائع وتحليلها.
إذا فهمنا ما سبق، فإنه يمكننا أن نضيف هذه الفائدة الثالثة للتاريخ، وهي: الانتصار للفكرة أو الدين أو المذهب، بشرط أن يكون هذا الانتصار مبنيًّا على الأدلة القاطعة الكافية.
هذه الفوائد الثلاثة: فهم السنن، الاعتبار والاقتداء، الانتصار للفكرة هي مجمل الفوائد التي يُطلب لأجلها علم التاريخ.
هذه الفوائد مشتركة بين جميع الأمم، لكننا لاحظنا أن المؤرخين المسلمين يذكرون فائدة رابعة للتاريخ لا نراها عند غيرهم، وهي فائدة «حفظ الدين وضبطه»، وهذه الفائدة أثارت ارتباكا، وأحيانا امتعاضا، لدى بعض المستشرقين والمؤرخين المعاصرين، ونظرا لأهميتها وفرادتها، فسنبدأ بها.
وذلك في المقال القادم إن شاء الله تعالى.
([1]) ديفيد كانادين، ما التاريخ الآن؟، ص16. (مقدمة المترجم د. قاسم عبده قاسم).
([2]) يمكن تقريب صورة هذه المعركة للدعاة وطلاب العلم الشرعي من خلال استحضار ما وقع في تاريخنا بين الفقهاء والمحدثين، وكيف أن الفقهاء أعمق نظرا في المعاني بينما المحدثون أشد حفظا للألفاظ والأسانيد، مع الفارق الضخم الكبير بين المعركتين، لأن فقهاءنا ومحدثينا كان لكليهما من النظر في المعاني ومن الحرص على الألفاظ ما يجعل الأمر مختلفا جدا، وإنما أردت هنا تقريب الصورة.
انظر في المعركة بين الفلاسفة والمؤرخين. أسد رستم، مصطلح التاريخ، ص10؛ ويدجري، التاريخ وكيف يفسرونه، 2/165 وما بعدها؛ ول ديورانت، مباهج الفلسفة، 2/5 وما بعدها؛ جميل صليبا، المعجم الفلسفي، (بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1982م)، 1/230؛ حسين مؤنس، التاريخ والمؤرخون، ص45؛ عبد الرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة، 2/160، 161.
([3]) ديفيد كانادين، ما التاريخ الآن؟، ص16. (مقدمة المترجم د. قاسم عبده قاسم)؛ وينظر: ويدجري، التاريخ وكيف يفسرونه، 2/143، 145، 158.


















اترك تعليقاً
يجب أن تكون مسجل الدخول لنشر التعليق.