728 x 90

المصطفون الأخيار أم أسطورة شعب الله المختار؟

المصطفون الأخيار أم أسطورة شعب الله المختار؟

بقلم: نزار كريكش.

 

تتردد في التاريخ والفكر الإنساني فكرة الاصطفاء والاختيار، وهي فكرة تحمل في طياتها إشكالات أخلاقية وفلسفية عميقة. في العصر الحديث، ظهرت جماعات في الولايات المتحدة الأمريكية، تضم نخبة من الأثرياء، تتبنى ثقافة دينية تقوم على مفهوم الاصطفاء، وتستخدمه وسيلة لحشد الشباب والسيطرة على مراكز السلطة. ولعل أبرز مثال على هذا النهج ما نراه في خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي يجسد شعور الاستعلاء والاعتقاد بامتلاك مهمة «تحرير الآخرين» حتى رغماً عن إرادتهم.

 

هذا التصور ليس وليد اللحظة، بل له جذور تاريخية عميقة، أبرزها ما ارتبط بالحضارة اليهودية من أسطورة «شعب الله المختار». هذه الفكرة، حين تُفهم بشكل منحرف، تفتح الباب أمام إعفاء الإنسان من مسؤولياته الأخلاقية، فيتصور أن الاصطفاء الإلهي يمنحه حصانة من المحاسبة، وأن أخطاءه وخطاياه يمكن تجاوزها لأنها جزء من «خطة إلهية». هذا الشعور، الذي يشبه ما يُعرف في علم النفس بالهوس بالواجب الإلهي، قد يتحول إلى خلل نفسي خطير يجعل بعض المستبدين يبررون القتل وسفك الدماء باعتباره تنفيذًا لإرادة عليا. هتلر وستالين مثالان صارخان، وحتى القذافي ادعى في فترة من حياته أنه «رسول الصحراء»، وهناك وثائق لوكالة الاستخبارات الأمريكية تناولت حالته النفسية في ثمانينيات القرن الماضي. وفي مذكرات جورج بوش الأب، نجد حديثًا عن شعوره بأن «خطى الإله» تقوده لتدمير العراق.

 

الإسرائيليون، وهم يمارسون القتل بحق الأطفال، لم يتخلوا عن شعورهم بأنهم «أبناء الله وأحباؤه». وهكذا يستمر الانحراف في استخدام مفهوم الاصطفاء لتبرير الجرائم وتفادي المسؤولية الأخلاقية، تحت شعارات تبدو نبيلة لكنها تخفي وراءها نزعة للعلو في الأرض والجبروت، كما رأينا في النازية أو في شعارات «العظمة» التي يرفعها بعض القادة اليوم. الإشكال هنا أن هذا الخلل النفسي يدمج بين الخطيئة والفضيلة، ويفتح المجال لارتكاب مزيد من الفظائع باسم قيم سامية.

 

أما في السياق القرآني، فإن مفهوم الاصطفاء يختلف جذريًا عن هذه الانحرافات. بعد سلسلة من السور التي تناولت الابتلاء كنموذج لفهم الحياة، تأتي سور مثل «الصافات» و«ص» لتتحدث عن الخلاص والاختيار. قراءة هذه السور تكشف أن الاصطفاء في القرآن ليس امتيازًا عرقيًا أو جنسياً، بل هو نتيجة امتحان حقيقي يمر به الإنسان، امتحان لا غش فيه ولا محاباة، يقوم على إدراك سر الوجود كما فعل الأنبياء الذين ذكرتهم سورة «الصافات». ومن اللافت أن هذه السورة تذكر النار أولاً ثم الجنة، ثم تعود إلى النار، في نسق يثير الانتباه، حيث يصف حال أهل الجنة وهم يتذكرون مصير من فشل في الامتحان:

«فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِين».

 

وفي القصص القرآني، نجد ختامًا متكررًا يؤكد المعنى ذاته: «إنه كان من عبادنا المخلصين». فالخلاص مسؤولية، والاختيار لا يرتبط بجنس أو عرق أو ديانة، بل بالعدل كما في قصة داوود في سورة «ص»، وفي سياق القصة حين حكم عليه في نبأ الخصم لما تسوروا المحراب فقال مبيناً السياق: «وظن داوود أنما فتناه». في الإخلاص كالشرف الذي ناله سليمان عليه السلام بعد أن أدرك رمزية المشهد حين أُلقي على كرسيه جسداً فقرأ الدرس فعرف أن الملك والرزق من الله فهو الوهاب،  وكذلك في قصة أيوب عليه السلام، حيث يتجلى معنى الصبر والابتلاء. فهذه ثلاثية بها يكون الاصطفاء: العدل والنزاهة والصبر على الابتلاء.

 

إن مفهوم «المصطفين الأخيار» في القرآن يرسّخ أن العز والشرف والخلاص جزء من منظومة قيمية لا يمكن أن تُنسب إلى الذكر دون الأنثى، ولا إلى عرق دون آخر. فكم من نساء صالحات قانتات مخلصات أعظم شأنًا من كثير من الرجال. أما الشعور بالفوقية الذي يصاحب بعض المنتسبين لليهودية، أو اعتبار حضارة بعينها مرجعية مطلقة في القيم والأخلاق دون أن تتحمل مسؤولية ما تدعيه لنفسها، فهو يتنافى مع هذه المسؤولية التي يوضحها القرآن، وذلك جزء من مفهوم الشهادة، وهكذا معناها قدرة الأمة على إعطاء النموذج والتفسير الصحيح للأحداث (أي النجاح في الابتلاء). فالمصطفون الأخيار هم أناس عرفوا حقيقة الدنيا، فجعلوا القيم فوق مطامح الناس وأهوائهم، لا أولئك الذين يسعون في الأرض علواً فسادًا، ويشهدون على الله ما في قلوبهم وهم ألد الخصام وما أكثرهم.

 

إقرأ أيضًا

اترك تعليقاً

يجب أن تكون مسجل الدخول لنشر التعليق.