728 x 90

نسخة ليبية من فيلون اليهودي

نسخة ليبية من فيلون اليهودي

بقلم: د. محمد خليفة.

 

من المحتمل في حق من قرأ “تكوين العقل العربي” للجابري[1] أن يكون قد مر -دون أن يتوقف- على قول الجابري إن فيلون، وهو من فلاسفة اليهود، كان في الإسكندرية يقوم “في أوائل القرن الأول للميلاد بشرح التوراة شرحًا اعتمد فيه التأويل الرمزي موفقًا بين ما ورد فيها من قصص وتعاليم وبين الفلسفة اليونانية”.[2]

وقد لا يخطر على بال القارئ أن الصادق النيهوم قد تبنى، في النصف الثاني من القرن العشرين (1965-1967)، نفس النهج في تفسير القرآن الكريم، أي “التأويل الرمزي”! وكان ذلك فيما كتب تحت عنوان “الرمز في القرآن”.[3]

العلاقة بين فيلون اليهودي (20 ق م – 40 م) والنيهوم الليبي (1937 – 1994)، من نوع العلاقة بين التوراة والقرآن (من حيث اتصال الوحي). والاشكالية التي يثيرها نهج فيلون ومن وراءه النيهوم من نفس النوع، لتعلقه بما ينتج عن التقاء الوحي بالفلسفة من آثار، ومنها تفسير التوراة (في القرن الأول للميلاد) والقرآن (في القرن العشرين) بنفس الطريقة التي فسر بها فلاسفة اليونان القدماء أساطيرهم: (تفسيرًا رمزيًا).

لكل ما سبق؛ يستلزم فهم موقف فيلون والنيهوم الدخول إلى موضوع “التفسير الرمزي” من باب التقاء الوحي بالفلسفة من جانب، وكيف تعامل الكفار مع الوحي تعاملهم مع الأسطورة على مستويي الفهم والتفسير من جانب آخر.

 

أولاً. التقاء الوحي بالفلسفة.

التقى الوحي بالفلسفة في الإسكندرية لحظة ميلاد المسيح، وكان الوحي في حينها هو التوراة التي قرأها فيلون بمثل ما قرأ به الاغريق أساطير أجدادهم. ثم التقى الوحي بالفلسفة مرة أخرى في مكة حيث كان وصف القرآن بأنه “أساطير الأولين” نهج مشركي قريش في مواجهة الوحي، إذ تكرر هذا الوصف تسع مرات في القرآن، للتأكيد على أن موقف قريش كان نهجًا ثابتًا، ولم يكن موقفًا عارضًا على الاطلاق.

لكن القرآن كان في حينها “فرقان” ما بين الحق والباطل، وهذا ما لم يره -أو ربما أهمله- النيهوم الذي سار في أثر فيلون على نهج التأويل الرمزي للوحي، وهو ما يساوي بين الكتاب المنزل والاسطورة المختلقة على مستوى منهج التفسير. بناء على ما سلف سأبدأ بنهج فيلون في تأويل التوراة تأويلاً رمزيًا، ثم أنتقل إلى سلوك النيهوم نفس النهج في تأويل قصص القرآن الكريم.

  • فيلون اليهودي وتأويل التوراة.

لفهم منهج فيلون نحتاج لتبيان كيف فسر الاغريق أساطيرهم أولاً، ثم تبيان كيف اقتفى فيلون أثرهم في تفسير التوراة بعد ذلك.

  • تأويل الاغريق لأساطيرهم.

الاساطير جزء من الفلسفة الاغريقية؛ أو لنقل إن الأساطير هي المعضلة التي كان على فلاسفة الإغريق شرحها، لأن العقل السليم لا يقبل ما جاء فيها، من نوع أن الآلهة تخطف وتسرق وتزنى …إلخ! ويقال إن سقراط وبعض الفلاسفة كانوا يسألون الاغريق: كيف ترضون لآلهتكم من الأعمال ما لا ترضونه لأنفسكم؟!

في مثل هذه البيئة ولد التفسير الرمزي للأساطير، إذ لا سبيل للتعامل مع الاساطير تعاملاً عقلانيًا إلا من طريق تفسيرها تفسيرًا رمزيًا، بمعنى أن ما جاء فيها من غرائب تُستهجن وشذوذ لا يقبله عقل سليم إن هو إلا قصص ذات دلالات غير ظاهرة في النص، لكنها تشير إلى ما يمكن فهمه من طريق غير مباشر وهو “الرمز”.

ومن القصص التي ستقودنا إلى مربط الفرس قصة سقراط وفيدريوس في محاورات افلاطون حيث سار الاثنان (سقراط وفيدريوس) على شاطئ النهر حتى بلغا نقطة يقال إن بورياس قد حمل من عندها أوريثيا وهي فتاة اغريقية. وفي هذه اللحظة سأل فيدريوس سقراط إن كان يصدق ذلك، فأجابه سقراط بأن أوريثيا كانت تلعب مع رفيقاتها فوقعت في النهر بفعل هبة ريح، فقال الناس إن بورياس (وهو ريح الشمال) قد حمل أوريثيا. وسبب الخلط في القصة أن الاغريق عندهم لكل شيء إله، فإله ريح الشمال هو بورياس أو ريح الشمال وبورياس شيء واحد!

وأرجو ألا يستعجل القارئ في استغراب ما سلف، لأن في اسطورة مولد الآلهة (لمؤلفها هزيود) ولد “زيوس” و”غايا” من رحم العماء أو العتمة، فكان زيوس السماء وكانت غايا الأرض، فزيوس وغايا آلهة، وهما السماء والأرض في نفس الوقت، وقد ظهرا من قلب العتمة ملتصقين.

ولم ينفصل زيوس عن غايا إلا بعد أن حبلت بستة من الآلهة التي تناسلت لتشكل آلهة الأولمب التي سخر منها سقراط، وكانت سخريته منها من أسباب الحكم عليه بالموت. واسطورة زيوس وغايا هي ما سيظهر في فلسفة فيلون عند اعتماده التفسير الرمزي للتوراة.

  • تفسير فيلون للتوراة.

كان فيلون وهو فيلسوف يهودي مُشبعًا بالفلسفة الاغريقية، ولذا نقل طريقة تفسير الأساطير الاغريقية إلى تفسير قصص التوراة، دون تفرقة بين الوحي والأسطورة لأن في التقاليد الاغريقية الأسطورة جزء من الثقافة الاغريقية، وقد أصبحت في لحظة ميلاد المسيح جزءًا من الثقافة اليهودية، وقد بُعث المسيح عليه السلام لتصحيح الأوضاع الشاذة التي كان فيلون أوضح مثال لها في بني اسرائيل.

ومن ضمن ما قاله فيلون في تفسير التوراة تفسيرًا رمزيًا إن آدم رمز للسماء وحواء رمز للأرض، وإن قتل قابيل هابيل كان رمزًا للصراع بين الفضيلة والغرور وهكذا…! وقد سار بعض المتأخرين من أبناء المسلمين في تفسير القرآن على نحو ما سار عليه فيلون في تفسير قصص التوراة، ومن هؤلاء الصادق النيهوم.[4]

 

  • الصادق النيهوم وتأويل القرآن.

سبقت الإشارة إلى أن عبارة “اساطير الأولين” قد تكررت في القرآن تسع مرات، وقد رويت على لسان قريش مجتمعة كما رويت على لسان بعض الافراد. ومما جاء بخصوص موقف قريش مجتمعة قوله تعالى في سورة الأنفال: “وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين“.

أما الآية التي يقول بعض المفسرين إنها نزلت في الوليد بن المغيرة فهي قوله تعالى: “عتل بعد ذلك زنيم، أن كان ذا مال وبنين، إذا تتلى عليه آياتنا قال اساطير الأولين“.

وما يجب التوقف عنده في وصف القرآن بأساطير الأولين هو أنه يأتي في سياق إخفاق أخلاقي ظاهر للكفار، لاقترانه بممارسات سلبية أخرى جاء القرآن على ذكرها وعددها في تمهيدًا لإدانة سلوك الذين يضمون القرآن إلى أساطير الأولين. وقد ورد ذلك في أكثر من سورة، منها سورة المطففين حيث الحديث عن “الذين يكذبون بيوم الدين، وما يكذب به إلا كل معتد أثيم، إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين“! فالزعم أن القرآن من أساطير الأولين نهاية نهج من بعض مفرداته التكذيب بيوم الدين، ثم العدوان الآثم على القرآن والداعين إليه.

وفي سورة القلم وُصفَ الوليد بن المغيرة بالحلاف المهين، وبالهماز، والمشاء بنميم، كما وصف بأنه مناع للخير، ومعتد أثيم، ثم عتل زنيم. وكان منتهى إثمه العدوان على حقيقة الوحي لأنه “إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين“! وبذا تكون هذه الرذائل جملة الفروع لأصل ثابت، هو تكذيب الوحي والتكذيب بالبعث والحساب.

ومن تتبع الرواية القرآنية نرى أن وصف القرآن بأساطير الأولين لم يكن حادثًا معزولاً أو مجرد عثرة في الطريق. وقد بلغ اللدد بكفار قريش مبلغًا غير عقلاني مطلقًا: “إذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم“! الموقف العقلاني يحتم أن تبتهل قريش إلى الله أن يهديها إلى القرآن إذا كان هو الحق، ولكن قريش التي كفرت بما أنزل على محمد تفضل أن تنزل عليها حجارة من السماء على أن تصدق الوحي!

للأسف النيهوم لم يتوقف عند تعدد مواقف القرآن من عبارة أساطير الأولين كما ترددت على لسان الجاحدين للنبوة والوحي، بل تجاوزها ليفسر القرآن بالطريقة التي فسر بها فيلون التوراة، ودون أدنى اعتبار لكون القرآن هو فرقان ما بين الحق والباطل (أو فرقان ما بين الوحي والأسطورة). في هذا السياق لنا وقفتان واحدة مع موقف القرآن من قضية أساطير الأولين، والثانية مع موقف النيهوم من القرآن وانتهائه إلى اعتباره من أساطير الأولين.

  • موقف القرآن من أساطير الأولين.

اشار القرآن إلى فكرة أساطير الأولين ودحضها في أكثر من موقع؛ وأهم موقع بين هذه المواقع هو سورة الفرقان، ومن آياتها في هذا المقام: “وقال الذين كفروا إن هذا إلا افك افتراه واعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلمًا وزورا. وقالوا اساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا! قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورًا رحيمًا“! ومن الواضح أن النيهوم لم يعتد بهذا الموقف المبيّن لحقيقة الوحي ومصدره، وكما سنرى الآن.

  • النيهوم والرمـز في القـرآن.

في ستينيات القرن العشرين كتب الصادق النيهوم عدة مقالات جمعها الأستاذ سالم الكبتي -مع الردود والمناقشات- في كتاب واحد عنوانه “الصادق النيهوم، الرمز في القرآن”. ومنذ المقالة الأولى بالكتاب يصرح النيهوم: “ليس لديّ ثمة منهج معين. ولا أود أن أحدد هدفًا… وكل ما اريده أن أعرض النص والرمز دون خطة من أي نوع…”!

وبدون منهج ولا خطة تقدم النيهوم إلى سورة الكهف مفترضًا “أن القصة بأسرها حادثة رمزية تهدف في الظاهر إلى الحديث عن بضعة قديسين مطاردين… وتهدف في الواقع إلى الحديث عن تاريخ المسيحية ذاتها…“.[5]

وبعد شرح وتحليل مطول ينتهي النيهوم إلى أن “القصة كلها عملاً رمزيًا متعمدًا“![6] لكن كل ما سلف في كفه وافتراض النيهوم أن المسيح قد ولد لأبوين وليس لمريم عليها السلام فقط في كفة أخرى! وقد سأله محمود الهتكي سؤالاً مباشرًا: “هل تعني أن المسيح ولد من أبوين عاديين؟“. فرد النيهوم: “أجل أعني ذلك بالضبط…“![7]

وحيث لم يحسم الجدل بتأصيل فقهي عقلاني، أو معرفي تاريخي في ستينيات القرن الماضي، عاد النيهوم إلى الموضوع بشراسة أشد ووضوح غير مسبوق سنة 1994، ليقرر على صفحات مجلة “الناقد”[8] أن قصص القرآن من أساطير الأولين، وقد جاء ذلك في قوله:

“لا نزال ننظر إلى كتاب الله بعين اعرابي ميت منذ ألف سنة. ولا نزال نتكلم بلسانه، ونردد في كتبنا واذاعاتنا -ونعلم أطفالنا- كل ما دار في رأس ذلك الإعرابي الجاهل من أساطير، ابتداءً من حبس ياجوج وماجوج وراء سور من الحديد، إلى فلق البحر، وحوار الشيطان مع آدم، وخروج يونس من بطن الحوت، وتسخير عفاريت الجن في خدمة سليمان. وهي قصص رواها القرآن عن التوراة وسماها [قصصًا]”.[9]

لقد عاد النيهوم من موقف فيلون اليهودي السكندري إلى موقف الوليد بن المغيرة القرشي، وفي مثل هذا الجمع نزلت سورة البينة: “لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة. رسول من الله يتلو صحفًا مطهرة. فيها كتب قيمة..“! والمعنى هنا في غاية الوضوح بالنسبة إلى، وهو أن الذين كفروا لم يكونوا منفكين أو متحررين من أوزار الكفر حتى يأتيهم النبي الذي يتلو صحفًا مطهرة من كل باطل، بما في ذلك أساطير الأولين. وهنا نقف على منفكين بمعني متحررين، لأن “فك رقبة” و”تحرير رقبة” لهما نفس المعنى في القرآن. فالوحي هو سبيل التحرر من سطوة الباطل، ومن مهمة النبي أن يضع عن أهل الكتاب أصرهم والاغلال التي كانت عليهم بفعل خلطهم الحق بالباطل والوحي بالأسطورة.

وهنا نأتي إلى قوله تعالى “وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا بعدما جاءتهم البينة“. ومما يستحق التوقف عنده اغفال الآية لمشركي العرب والتركيز على تفرق أهل الكتاب! وقد يكون السر فيما سلف -حسب فهمي- هو أن الإسلام قضى على مشركي العرب وكفارهم في عشرين سنة، ولم يعد بإمكانهم أن يتفرقوا ولا أن يجتمعوا لأن نزول سورة براءة كان نهايتهم.

أما أهل الكتاب فما زالوا يتفرقون وقد أنظم إليهم بعض أبناء المسلمين الذين أصبحوا يسيرون سيرة أهل الكتاب، مصداق قوله عليه الصلاة والسلام لتتبعن سنن من كان قبلكم…! كان فيلون اليهودي، والوليد بن المغيرة العربي، والصادق النيهوم الليبي، نسخ متعددة من نفس الموقف: موقف الذي يكذب بالدين ويصف الوحي بأنه أساطير الأولين! وبذا لم يزد النيهوم في نهاية القرن العشرين على الدخول إلى جحر الضب، مرة خلف فيلون اليهودي وأخرى خلف الوليد بن المغيرة القرشي!

في الألفي سنة الأخيرة اثيرت قضية أساطير الأولين في مواجهة الوحي أكثر من مرة، وفي أكثر من مكان، ومازالت تثور حتى الآن،[10] لأن هذا مما يحدث في “مستقر العادة” حسب تسمية ابن خلدون للظواهر المتكررة في التاريخ. وقد يكون تكرار القرآن للعبارة تسع مرات مجرد تأكيد على أن وصف الكفار للقرآن بأساطير الأولين مما يقع في مستقر العادة. ولكن قد تكون هذه المرة هي الأولى التي يهتم فيها مسلم بأصل الظاهرة في أعماق التاريخ وأثرها الممتد في الفكر البشري.

 

[1] محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الخامسة، بيروت،1991.

[2] المرجع السابق، ص 174.

[3] سالم الكبتي، الرمز في القرآن، بيروت، مؤسسة الانتشار العربي، 2008.

[4]. يشير النيهوم إلى استفادته من مراجع متعددة منها تفسير “مولانا محمد علي”. وهذا الأخير من رفاق غاندي في الهند، له تفسير للقرآن باللغة الإنجليزية وينتسب تفسيره إلى مدرسة التأويل الرمزي. ولذات النهج أصداء عند محمد أحمد خلف الله صاحب “الفن القصصي في القرآن الكريم”.

[5] الرمز في القرآن مرجع سابق، ص51.

[6] المرجع السابق، ص 57.

[7] المرجع السابق، ص 115

[8] الصادق النيهوم، المجازر المعصومة، مجلة الناقد، عدد 74، أغسطس 1994، ص 22.

[9] الفقرة محل الاستشهاد نفس المرجع السابق، ص 25.

[10] من أشهر من يثيرها اليوم خزعل الماجدي، وهو من صابئة العراق، وله محاضرات على الانترنت بالخصوص.

إقرأ أيضًا

اترك تعليقاً

يجب أن تكون مسجل الدخول لنشر التعليق.