بقلم: د. نجاح بن زايد.
من بين جميع الكائنات التي تعيش على هذا الكوكب، يظلّ الإنسان حالةً فريدة؛ فهو وحده يمتلك القدرة على الوعي والاختيار، ووحده يستطيع أن يمنح أفعاله معنى يتجاوز حدود الغريزة والبقاء. غير أن هذه الهبة التي تميّزه هي نفسها التي جعلته الكائن الأكثر قدرة على ارتكاب الشرّ بصورة واعية ومنظمة. وهنا تنشأ المفارقة العميقة:
كيف يتحوّل العقل الذي يُفترض أن يكون أداةً للتمييز والهداية إلى قوّة يمكنها أن تهدم العالم؟ وكيف يصبح الكائن الأكثر وعيًا هو الأقدر على ممارسة العنف؟
تتجلّى هذه المفارقة في شواهد تاريخية لا تُحصى. نذكر منها ما حصل في القرن العشرين وحده؛ إذ قُتل أكثر من مئتي مليون إنسان في حروب ومجازر لم تكن مجرد ثورات غضب، أو طفرات غريزية، أو حتى ردود أفعال، بل كانت مشاريع عقلانية محكمة صُمِّمت بأدق التفاصيل. من الهولوكوست إلى مذابح رواندا وكمبوديا، ومن الحروب الأوروبية إلى النزاعات الأهلية في العالم العربي؛ في كل هذه الأحداث وغيرها – مما لا يتّسع المجال لذكره هنا – كان العقل المنغلق هو المحرّك الأعمق للشرّ: عقلٌ يلبس ثوب النظام ويخضع لأيديولوجيا لا ترى العالم إلا من خلال منطقها الأحادي.
في المقابل، وعلى النقيض من ذلك، تبدو الطبيعة – رغم قسوتها الظاهرة – أكثر التزامًا بالتوازن والغائية. لم نسمع عن ذئبٍ يقتل بدافع الكراهية، ولا عن نمرٍ يطارد فريسته من أجل الإبادة. كل الكائنات تعمل وفق خريطة غريزية صارمة تحفظ البقاء.
هذا الطرح يستتبع فكرة أكثر إدهاشًا، وهي أنّ الغريزة تصنع النظام، بينما يمكن للحرية أن تقوّض ذلك النظام من أساسه. فالحيوان لا يختار لأن بنية وعيه لا تسمح له بالاختيار، أمّا الإنسان فيختار، وقد يختار الشرّ بكامل وعيه. ولهذا فإن شرّه – وعلى عكس شرّ الحيوان – ليس اندفاعًا عضويًا، بل قرار واعٍ يغلّفه العقل بمنطق الضرورة أو المصلحة أو العقيدة. والسؤال المطروح هنا: إذا كان العقل قادرًا على التمييز، فلماذا ينحرف؟ وإذا كان الضمير مؤهَّلًا للحكم، فكيف يُعطَّل؟
المتتبّع لنظريات علم النفس الاجتماعي سيجد بعض الإجابات المهمة. على سبيل المثال، كشفت الدراسات النفسية – في تجربة ميلغرام – أن الطاعة للسلطة قد تدفع الأفراد إلى تجاوز حدودهم الأخلاقية دون صراع داخلي كبير. بينما أوضح مفهوم عقل القطيع كيف تذوب المسؤولية الفردية داخل الجماعة، فيتبنّى الأفراد سلوكيات الجماعة التي ينتمون إليها دون تفكير نقدي. كذلك يسهم خطاب الكراهية في تشييء الآخر فيسقط عنه كل اعتبار أخلاقي.
غير أن هذه التفسيرات – رغم أهميتها – تظل سطحية، لأنها تشرح كيف ينحرف الإنسان، ولا تفسّر لنا لماذا يقبل الإنسان أصلًا بتعطيل عقله.
هنا تتدخل الفلسفة لتقدّم تفسيرًا أعمق؛ فالعقل – كما يرى أفلاطون وكانط وهايدغر – ليس قوة مكتملة ولا جوهرًا ثابتًا، بل طاقة تتشكّل باستمرار، وتتأثر بالخوف والسلطة والتنشئة والخيال الجمعي. هذا العقل قادر على تهذيب الذات، وقادر أيضًا على تبرير أسوأ الأفعال حين يتعرض للاستلاب أو الإغواء أو الهيمنة.
هذه النظرة الفلسفية العميقة تنسجم مع الرؤية الإسلامية التي تقدّم مفهومًا دقيقًا للعقل. فالإسلام لا يرى في العقل قوة خطيرة بطبيعتها، ولا ينظر إلى الحرية بوصفها تهديدًا، بل يجعلهما أساس التكليف وميزان المسؤولية. كما يميّز بوضوح بين وجود العقل بوصفه قدرة عامة، وفعاليته بوصفها قدرة على التمييز. ولهذا رُفع الحرج عمّن فقد هذه القدرة. هذا التفريق يجعل الانحراف الأخلاقي ممكنًا عندما تنفصل القدرة العقلية عن توجيه القيم.
العقل بهذا المعنى لا يكفي بمفرده ليكون مرشدًا أخلاقيًا؛ لأنه يحتاج إلى قيم تضبطه، وإلى مقصد يوجّه إرادته. وعندما تغيب أو تضعف هذه القيم، يصبح العقل أداةً للتبرير بدل أن يكون أداةً للهداية. وهذا ما تقوله العلوم العصبية الحديثة التي تؤكد أن الدماغ يتشكّل باستمرار، وأن أنماط التفكير ليست ثابتة، بل تتأثر بالتربية والعادة والبيئة العاطفية والأخلاقية. وعندما تغيب التربية الأخلاقية، يصبح العقل أكثر عرضة للانحراف والاستلاب.
وبناءً على ذلك، تصبح الحرية مصدر كرامة الإنسان أو مصدر مشقته. فالحيوان لا يخطئ لأنه لا يختار، بينما يخطئ الإنسان لأنه حرّ ويملك القدرة على الانحراف عن الصواب.
هنا نتلمّس البعد العميق في التكريم الإلهي للإنسان كما جاء في القرآن الكريم: فليس الإنسان مكرَّمًا لأنه خيرٌ بطبيعته، بل لأنه قادر على اختيار الخير رغم إمكانية فعل الشرّ.
الإنسان ليس له غاية جاهزة؛ بل هو الذي يصنع غاياته ويعيد تشكيل عالمه وفق تلك الغايات. ولهذا، فالإنسان وحده القادر على أن يجعل عقله أداةً للهداية أو طريقًا للجحيم، على عكس الكائنات الأخرى التي تسير وفق غايات محددة: البقاء، والتوازن، والتناسل.
بناءً على كل ما سبق، فإن وجود العقل لا يعني ضمان الخير، بل يعني إمكانية الخير. وإن الإنسان ليس شريرًا بطبيعته، لكنه كائن قادر على الشرّ حين يُترك بلا قيم أو يختطفه خطاب أو سلطة.
ولهذا، فالسؤال الجوهري ليس: لماذا يفعل الإنسان الشرّ؟ بل: كيف نحمي العقل من الاستلاب؟ وكيف نعيده إلى وظيفته الأصلية في الهداية والتمييز؟ أو بالأحرى: كيف نصنع عقلًا أخلاقيًا؟
إذا كانت الغريزة تحفظ الحيوان، فإن الإنسان لا يحفظه إلا بناء عقل أخلاقي متوازن. ومثل هذا البناء لا بد أن يقوم على ثلاث مرتكزات أساسية :
- تربية عقل قادر على التمييز:
أن يتحوّل التعليم من تلقين المعلومات إلى تنمية التفكير النقدي، والقدرة على التحليل، وإدراك البعد الأخلاقي للقرار.
- معالجة الذاكرة الجماعية:
كل المجتمعات التي تحمل جراحًا غير معالجة – سواء كانت حروبًا أو انقسامات أو مظالم – تكون مهيّأة أكثر من غيرها لإنتاج عنف جديد. المصالحة في هذه المجتمعات مشروع ضروري لإعادة ترميم الهوية وتحرير الذاكرة.
- ترسيخ الحرية المسؤولة:
الحرية ليست انفلاتًا، بل ممارسة مقيدة بقانون عادل يحمي الفرد من هيمنة الجماعة، ويمنع الجماعة من السقوط في العنف الجمعي
ختاما لا بد لنا من التأكيد على أن مشروع السلام يبدأ من ترميم العقل ذاته. فإذا كانت الطبيعة قد أدّت دورها، فعلى الإنسان أن يفهم دوره، ويبني علاقة مصالحة عميقة مع عقله، ومع حريته، ومع ذاته.


















اترك تعليقاً
يجب أن تكون مسجل الدخول لنشر التعليق.